الجامعة المغربية والمدخل إلى إنتاج وإدارة المعرفة التنافسية

الجامعة المغربية والمدخل إلى إنتاج وإدارة المعرفة التنافسية

إدريس الشنوفي

 

يقتضي الاندماج في الاقتصاد العالمي المبني على المعرفة لتعزيز موقع المغرب ضمن البلدان الصاعدة، ضرورة سعي المؤسسات الإنتاجية إلى تثمين مواردها الداخلية، وكفاءاتها الاستراتيجية، ورصد المعرفة الكامنة لدى الموارد البشرية كمورد استراتيجي يضمن للمؤسسة ديمومة ميزتها التنافسية، إذ تجمع أغلب الدراسات الحديثة على الأهمية الاستراتيجية للمعرفة باعتبارها مؤشرا لخلق القيمة، ومصدرا للميزة التنافسية، كما تعد أحد أهم الموارد الداخلية الاستراتيجية غير الملموسة المساهمة في حصول المؤسسة على ميزة تنافسية مستدامة. ذلك أن تحديد مفهوم المعرفة كمورد استراتيجي أدى إلى التأكيد على إمكانية تدبيرها استراتيجيا على المدى الطويل، وتفعيل الدور الذي أصبحت تحتله ضمن الحقل التدبيري للمؤسسات المندمجة في  اقتصاد المعرفة، أو التي ترغب في تقوية مزاياها التنافسية من خلال التراكم المعرفي والاستخدام الذكي للموارد الداخلية.

تعد الجامعة المدخل الرئيس لتأهيل العنصر البشري لمتطلبات ورهانات مجتمع واقتصاد المعرفة التنافسيين على الصعيد العالمي. والجامعة المغربية لم تستطع بعد مسايرة متطلبات المجتمع من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، بدليل حالة عدم التوازن القائمة بين منتوجها وسوق الشغل تعبيرا عن علاقة غير متوازنة بين المدرسة ومحيطها الاقتصادي عنوانها المزدوج بطالة الخريجين من جهة، وندرة الكفاءات والأطر في قطاعات انتاجية معينة.

بناء عليه، يطرح التساؤل حول أي مدخل لتمكين الجامعة المغربية من إنتاج وإدارة المعرفة ذات القدرة التنافسية بغية كسب رهان التموقع في مصاف البلدان الصاعدة؟

   أولا :الإطار الفكري والنظري للمعرفة واقتصاد المعرفة

يعتبر اقتصاد المعرفة فرعاً جديداً من فروع العلوم الاقتصادية الذى ظهر في الآونة الأخيرة، ويقوم على فهم جديد أكثر عمقا لدور المعرفة ورأس المال البشرى في تطور الاقتصاد وتقدم المجتمع، إذ حدث تطور في العديد من الدول التي انتقلت من الاقتصاد الزراعي حيث تكون الأرض هي المورد الاقتصاديالرئيسي، إلى الاقتصاد الصناعي لتصبح الموارد الطبيعية والأيدي العاملة هما الموردين الرئيسين، والآن إلى اقتصاد قائم على المعرفة Knowledge based – economy)) تكون فيه المعرفة هي المورد الرئيسي.([1])

1- نشأة اقتصاد المعرفة:

بادئ ذي بدء، نود التأكيد على أن مرحلة ظهور الاقتصاد المبنى على العلم والمعرفة والتكنولوجيا، لم تظهر بين عشية وضحاها بل سبقتها مرحلة الاقتصاد المبنى على الزراعة، بعدها مرحلة الاقتصاد المبنى على الآلة (الاقتصاد الصناعي).

ولعل أهم ما يميز هذا العصر الجديد ما يلى: ([2])

  • اندماج العلوم في منظومات الإنتاج وتحول المعرفة إلى قوة منتجة,
  • أصبح رأس المال المعرفي بما يشمله من علمٍ وتكنولوجيا وابتكار أكثر أهمية في الاقتصاد الجديد مقارنةً برأس المال المادي.
  • تحول نمط الإنتاج العلميوالتقني, من مرحلة الإبداع الفردي خلال القرنين الثامن والتاسع عشر إلى مرحلة الإنتاج الجماعي والمؤسسات خلال القرن العشرين.

وعلى أية حال، يمكن تبيان خصائص العصور الثلاثة من خلال هذا الجدول

خصائص عصر المعلومات والعصور التي سبقته

العصر الزراعة الصناعة المعلومات
الفترة الزمنية ما قبل 1800 1800 – 1957 1957 إلى اليوم
طبيعة العمال فلاحين عمال مصانع العاملون في المعرفة
الشراكة أفراد/أرض أفراد/ آلة أفراد /أفراد

المصدر: عماد عبد الوهاب صباغ، علم المعلومات، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1998، ص40.

2- مفهوم اقتصاد المعرفة:

هناك مجموعة من التعريفاتالتي ذكرت بشأن اقتصاد المعرفة، يمكن أن نذكر منها ما يلى:

  • تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: والتي تعرف الاقتصاد المعرفي بأنه الاقتصاد القائم على اكتساب وتوليد ونشر وتطبيق المعرفة لدفع عجلة النمو ولتواصل التنمية في المدى البعيد.([3](
  • تعريف (APEC, 2000) لاقتصاد المعرفة بأنه “الاقتصاد الذى تحركه الأفكار والمعرفة وليس الموارد العينية, فهو اقتصاد قائم على إنتاج وتوزيع واستخدام المعرفة فهي المحركات الأساسية للنمو وتوليد الثروة والتوظيف عبر كافة الصناعات”.([4](
  • تعريفالبنك الدولي لاقتصاد المعرفة بأنه الاقتصاد الذى يخلق ويكتسب ويكيف ويستخدم المعرفة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.([5](

من خلال التعريفات السابقة، يمكننا التأكيد على أن اقتصاد المعرفة يقوم على أسس مختلفة عن اقتصاد الصناعة من جوانب عدة، نذكر بعضها على النحو التالي:([6])

  • من حيث طبيعة الموارد الاقتصادية: حيث يتعامل الاقتصاد الصناعي مع الموارد من خامات آلات ومنتجات مادية، بينما يتعامل اقتصاد المعرفة مع الموارد اللامادية من بيانات ومعلومات ومعارف وبرمجيات.
  • من حيث طبيعة العوائد والكلفة: يركز اقتصاد الصناعة على عناصر العائد والكلفة المحسوسة. بينما اقتصاد المعرفة يتعامل علاوة على ذلك مع العناصر غير المحسوسة مثل: عائد الاستثمار في مجال التربيةوتنمية العنصر البشرى.
  • من حيث القيمة: يتعامل الاقتصاد الصناعي مع ثنائية قيمة المنفعة والتبادل ويتعامل اقتصاد المعرفة – إضافة إلى ما سبق – مع القيمة الرمزية وقيمة المعلومات.
  • من حيث الملكية: يتعامل الاقتصاد الصناعي مع الملكية المادية، بينما يتعامل اقتصاد المعرفة مع الملكية الفكرية أساسا.

إضافة إلى ما تقدم، فإن اقتصاد المعرفة يرتكز على أربع أعمدة رئيسيةهي:([7])

  • عمالة مؤهلة وماهرة.
  • نظام ابتكار فعال.
  • بنية معلوماتية حديثة.
  • إطارمؤسسي ومناخ اقتصادي مناسب.

إن الركائز الأربع سالفة الذكر، جعلت اقتصاد المعرفة يحقق العديد من الفوائد نذكر منها: ([8])

  • يُرغم المؤسسات على التجديد والابتكار.
  • يقوم على نشر المعرفة وتوظيفها وإنتاجها.
  • يحقق التبادل إلكترونيا.
  • يحقق مخرجات ونواتج تعليمية مرغوبة وجوهرية.
  • يعطى المستهلك ثقة أكبر وخيارات أوسع.

وبالتالي فإن المعرفة باتت مصدرا رئيسا للقوة في الحاضر، وكذلك في المستقبل كونها ستصبح محور صناعات المستقبل، وسيحرص الجميع على الحصول عليها وتنميتها.

3- سمات اقتصاد المعرفة:

بصفةٍ عامة يمكن القول بتميز اقتصاد المعرفة بعدة سمات, نذكر منها : ([9](

  • لا تمثل المسافات أياً كانت أبعادها أي عائق أمام عملية التنمية الاقتصادية أو الاتصال أو التعليم أو نجاح المشروعات أو الاندماج الكامل في المجتمع بشكلٍ عام.
  • يملك اقتصاد المعرفة القدرة على الابتكار وإيجاد وتوليد منتجات فكرية ومعرفية وغير معرفية جديده تماماً لم تكن تعرفها الأسواق من قبل، ثم يساعد على خلق وإيجاد المنتجات غير المسبوقة والأكثر إشباعا وإقناعاً للمستهلك والموزع والمتعامل معه.([10](
  • أنه اقتصاد كثيف المعرفة يرتكز على الاستثمار في الموارد البشرية باعتبارها رأس المال المعرفيوالفكري.
  • قوة عاملة متعلمة، حيث تستثمر الحكومة أكثر في التنمية البشرية، وتساهم العمالة بالأفكار والمهارات والمعرفة من خلال استخدام أحدث التقنيات. ([11])
  • اعتماد التعلم والتدريب المستمرين وإعادة التدريب, التي تضمن للعاملين مواكبة التطورات التي تحدث في ميادين المعرفة.
  • توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات توظيفاً يتصف بالفعالية لبناء نظام معلوماتي فائق السرعة والدقة والاستجابة.

4-أبرز ما جاء في الفكر الاقتصادي حول المعرفة والتكنولوجيا:

بادئ ذي بدء، نجد أن آدم سميث رائد الفكر الاقتصاديالكلاسيكي، يتحدث عن الاختراعات والآلات الجديدة، حيث اهتم بالتغير التكنولوجي وأثره على الإنتاج، وأشار في كتابه “ثروة الأمم”(The wealth of Nations) إلى أهمية التكنولوجيا الحديثة في تطور الإنتاج.([12])ورغم ما سبق،فقد ركزت النظرية الكلاسيكية على عدة عناصر واعتبرتها محور النمو والتنمية الاقتصادية، نذكر منها: سياسة الحرية الاقتصادية والحرية الفردية وسيادة المنافسة الكاملة وإبعاد تدخلات الدولة عن النشاط الاقتصادي.

في حين نرى “كينز” في معالجته للمشكلات الاقتصادية، يركز على الدول المتقدمة مهملاً بشكلٍ كبير أزمات الدول النامية،([13]) وتتمحور أفكار هذا الاقتصاديالإنجليزيفي أن مستوى التشغيل هو الذى يحدد الدخل الكلي.

وعلى أية حال، فقد اعُتبرت النظرية التقليدية الحديثة غير كاملة، نظراً لاعتبارها أن التطور التكنولوجي عنصراً خارجياً. ([14])

ونتيجة لما تقدم جاءت النظريات الاقتصادية الجديدة لمحاولة إعطاء تفسير لمصادر التطور التكنولوجي، وقاد الاقتصادي(Roomer, Paul) النظرية الأساسية واتجه إلى أن النموذج في المدى البعيد يعتمد على تراكم المعرفة وأن المعرفة تعتبر من عوامل الإنتاج، وأضاف أن الابتكار يعد مصدراً لنمو الإنتاجية وأن الاستثمار في المعرفة الفنية عن طريق البحث والتطوير لها دورٌ معتبرفي النمو الاقتصادي.([15](

وجاءت في النهاية النظرية الحديثة في النمو، لتعتبر أن المصدر الرئيسي للنمو هو التقدم التكنولوجي، والذى يأتي بفضل الاستثمار في العنصر البشرى.([16](

  • أسباب ظهور اقتصاد المعرفة:

نلاحظ العديد من العوامل التي ساعدت في ظهور اقتصاد المعرفة، ويمكن أن نذكر أهمها على النحو التالي:

  • ثورة المعلومات وانتشار الشبكات
  • العولمة Globalization
  • الاهتمام المتزايد بالمعرفة

ب-محاور اقتصاد المعرفة:

تستند عملية التنمية وفقاً للاقتصاد الجديد على عدة محاور نذكر منها:

  • القوة العاملة المتعلمة والمهارية
  • البنية التحتية المعلوماتية الحديثة
  • مراكز البحوث والتطوير

بناءعليه، نرى أن اقتصاد المعرفة يتسم بسمات وخصائص مختلفة عن الاقتصاد التقليدي وعناصره كما أن الاهتمام بالمعرفة دفع العديد من الدول إلى تبنى مفاهيم الاقتصاد المعرفي وآلياته من تطوير التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا ودعم البحوث والابتكارات.

ثانيا :المعرفة كمصدر للميزة التنافسية

  • مفهوم الميزة التنافسية:

يرى “بورتر” أن الميزة التنافسية لا تختص بالدولة وإنما بالمؤسسة، “فالميزة التنافسية تنشأ أساسا من القيمة التي استطاعت مؤسسة ما أن تخلقها لزبائنها بحيث يمكن أن تأخذ شكل أسعار أقل بالنسبة لأسعار المنافسين بمنافع متساوية، أو بتقديم منافع متفردة في المنتج تعوض بشكل واع الزيادة السعرية المفروضة”.[17]

كما ينظر للميزة التنافسية على أنها ” قدرة المؤسسة على تحقيق حاجات المستهلك، أو القيمة التي يتمنى الحصول عليها من المنتج، مثل الجودة العالية “،[18] وبالتالي فهي استثمار لمجموعة الأصول المالية والبشرية والتكنولوجية بهدف إنتاج قيمة للعملاء تلبي احتياجاتهم. وهو ما يؤكده “السلمي” في تعريفه للميزة التنافسية على أنها “مجموعة المهارات والتكنولوجيات والقدرات التي تستطيع الإدارة تنسيقها واستثمارها بهدف إنتاج قيم ومنافع للعملاء أعلى مما يحققه المنافسون، وتأكيد حالة من التميّز والاختلاف فيما بين المؤسسة ومنافسيها”.

  • مصادر الميزة التنافسية:

هناك مصدران أساسان للميزة التنافسية يتمثلان في المهارات المتميزة (كالمعرفة الفنية، القدرات والذكاء) والموارد المتميزة (كالموارد المالية، طاقة إنتاجية ممتازة…الخ).[19] إن محاولات تفسير الميزة التنافسية للكثير من المؤسسات بينت أن مصدرها لا يرتبط بالتموقع الجيد في مواجهة ظروف البيئة الخارجية بل بقدرة تلك المؤسسات على استغلال مواردها الداخلية، التي تعد الكفاءات والمعرفة والجودة أحد عناصرها الأساسية. [20]

ويمكن من خلال توفير هذين المصدرين واستغلالهما بفاعلية الحصول على المصادر النهائية التالية:[21]

الكفاءة:تتجسد الكفاءة في الاستغلال الامثل للموارد المتاحة، وتقاس بكمية المدخلات المستخدمة لإنتاج مخرجات محددة، باعتبار المؤسسة أداة لتحويل المدخلات إلى مخرجات، فكلما ارتفع معدل كفاءة المؤسسة كلما قلت المدخلات المطلوبة لإنتاج مخرجات معينة، فالمؤسسة تتميز تكاليفها بالانخفاض إذا كانت تستحوذ على كفاءة إنتاجية عالية مقارنة بمنافسيها، مما يسمح لها ببناء مزايا تنافسية.

الجودة: نتيجة للتغيرات السريعة والتطورات المتعاقبة، زاد اهتمام المؤسسات بتلبية رغبات المستهلكين والحرص على رضاهم إذ لم يعد السعر العامل المحرك لسلوك المستهلك، بل أصبحت الجودة هي الاهتمام الأول له والقيمة التي يسعى للحصول عليها، هذا ما أوجب على المؤسسات التي ترغب في البقاء في المنافسة أن تصنع منتجات ذات جودة عالية.

المعرفة: تعد الأصول الفكرية ركيزة أساسية لاستمرار نشاط المؤسسة في البيئة التنافسية المرتكزة على المعلومات والمعرفة، فلقد زاد اهتمام تلك المؤسسات المعتمدة على الأصول الفكرية القابلة للقياس كالمعرفة، باعتبارها شرطا أساسيا ضمن سياساتها الاستثمارية، كما أصبح قياس القيمة الحقيقة للمعرفة أمرا ضروريا للمؤسسات ذات المعاملات الخاصة، وبراءات الاختراع، والعلامات التجارية المتميزة..فالمؤسسات الناجحة هي التي تستثمر في ما تعرفه، بحيث تنقل تلك المعرفة عبر قنواتها التنظيمية للاستفادة منها في عمليات إنتاج السلع والخدمات أو في تطوير الهياكل والوظائف والعمليات.

ثالثا :الجامعة المغربية واقتصاد مجتمع المعرفة: انخراط أم انصراف؟

لقد أصبح باديا للعيان، أن الجامعة المغربية تعيش حالة مخاض وترقب و ذهول اتجاه تطور شبكة الإنترنت ، كما أن غزو الحاسوب وتطبيقاته لكل مرفق من مرافق الحياة-بما فيها الجامعة- أحدث معه طوفاناً معلوماتياً، وجعل المسافة بين المعلومة والطالب تقترب من المسافة التي تفصله عن مفتاح جهاز الحاسوب.

من هذا المنطلق نطرح السؤال التالي: إذا كان ميلاد الثورة العلمية التي تعرفها الساحة العالمية أسهم في خلق ثروة معلوماتية كبيرة لدول “السبق المعلوماتي”، فإن ذلك لم ينعكس على الجامعة المغربية بالشكل الذي يسمح ببناء اقتصاد مغربي جديد، مبني على المعرفة كدعامة للتنمية بمختلف تجلياتها، فأين الخلل؟ هل في الجامعة كمركز للمنظومة البحثية أم في الدولة أم فيهما معا؟ ومتى ستنخرط في اقتصادمجتمع المعرفة ؟

إن تخلف التعليم الجامعي وضعف الإنفاق على البحث العلمي، واستيراده عوضا عن إنتاجه تسمم الحالة المعرفية، حيث يسود الكم على الكيف في جامعاتنا، وتقف معدلات الأمية المرتفعة حائلا دون الانخراط في مجتمع المعرفة، وخاصة مع تدني نسب الالتحاق بالمراحل العليا من التعليم الجامعي مقارنة بالمعدلات العالمية.

وتعتبر الجامعة أهم أدوات عبور خط التقسيم الرقمي وتخطي الفجوة الرقمية، والتي يمكن تحديد موقعها من أسس أركان إقامة مجتمع المعرفة الأربعة: 1. اتصال وإعلام. 2. ثقافة مجتمع المعرفة وعلومه وأركانه. 3. رأس مال بشري. 4. مستوى تعليم راق.

وبما أن الفضاء الجامعي ما زال يعرف سيادة العقلية التلقينية، القائمة على الحفظ والتكرار، فإن أهم عوامل إجهاض الدخول إلى مجتمع المعرفة قائمة ومجتمعة ومناقضة لبراديغم مجتمع المعرفة الذي يشجع في المقابل الحوار والإبداع، والتعلم الذاتي، وثقافة السؤال. ويحتاج إنتاج المعرفة إلى وجود ثقافة معرفية متميزة في المجتمع تساندها وتشجعها وتبرز وتحترم قدرات التفكير والإبداع والسؤال والتأمل والبحث.

إن مجتمع المعرفة يعلّم ويتعلم، ويتواصل ويبتكر ويتحكم ويتاجر ويضع الأنظمة ويتقدم في كافة جوانب الحياة من خلال استعماله للتقنية الرقمية. إنه المجتمع أو الجهاز العصبي الرقمي الذي يدير الإمكانيات غير المحددة لإدارة المعرفة لتحقيق مزيد من التقدم.

ولا عجب إذا ما جاء تقرير التنمية البشرية الإنسانية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان “نحو إقامة مجتمع المعرفة” بقوله “إن غالبية المنظومات البشرية في الأقطار العربية –بما فيها المغرب-تميل إلى امتلاك نماذج معرفية مشتركة تهدف إلى حماية الأوضاع الراهنة في البلاد، وتكريسها في المجتمعات على صورة مؤسسات وحوافز مجتمعية محافظة، بما يقعد أفرادها عن تحدي الأوضاع القائمة ويقلل من فرص التعلم، ومن ثم تعمل على إدامة الوضع الراهن، وبهذا تلعب السلطة السياسية دورا جوهريا في توحيد المعرفة،وتعمل على تدعيم النمط المعرفي الذي ينسجم مع توجهاتها وأهدافها.

وترجع مختلف معيقات ربط الجامعة كمشروع مجتمعي يبني الاقتصاد المعرفي إلى:

-حساسية الدولة من حرية تداول المعلومة، في الوقت التي أضحى الحق في تقاسم المعلومة مطلبا حيويا ومدخلا لبناء أسس دولة الحق و القانون.

-استمرار انتهاج سبل التبعية لا الخلق والابتكار:فتقوم الجامعة باستهلاك التكنولوجيا لا باستيعابها، كما تنخرط في المنطق الاستيرادي لا العقل التنويري.

-افتقار المشروع الجامعي إلى المخططين المحنكين، وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة التالية: ماذا نريد من الجامعة؟ ماذا نريد من التقانة؟ وما هي المشاكل التي ستحلها التقانة؟ وما هي الطموحات التي ستحققها التقانة للجامعة و المجتمع؟ وما هو الوقت المناسب للوصول لتلك الغايات؟

ما دور الجامعة في التخفيف من الاحتباس أوالأبارتايد المعلوماتي؟لن يجادل احد ما إذا ما قلنا بأن مجتمعات الغد ستقوم على المعرفة وهيمنتها، والتعليم أحد المصادر التي ستعزز مكانة الدول في المنتظم المعلوماتي الدولي، كما أنه إحدى الوسائل لنقلها بأشكال منظمة.

لذلك، تحتاج جامعاتنا أن تكون متوجهة نحو المعرفة بصورة أكثر شمولا مما عليه في الوقت الحاضر، وتعمل الجهة الوصية على تنمية البيئة المؤسسية التي يمارس التعليم فيها من حيث الحجم والوظيفة حثى يصبح الفضاء الجامعي بمثابة مجمع تعليمي [complexe d’écducation]وتتحول بذلك إلى قنوات رئيسية للتواصل والاتصال، وتحويل المجتمع إلى مواقع لعملية التعلم.

وقد أضفت المعلوماتية سمتها على أهداف التربية كما حددتها اليونسكو في وثيقتها “التعليم ذلك الكنز المكنون” وهي أهداف: التعلم للمعرفة، والتعلم للعمل، والتعلم للكينونة، والتعلم للمشاركة.

في هذا السياق، يشير بوزمان –باحث تربوي- إلى أن مستقبل الجامعات مرتبط بشكل كبير بتقنية التعليم المتمثلة في الحاسوب الذي أصبح يدخل في جوانب العملية التعليمية من تدريس وإدارة وتقويم وبحث وتواصل مع الآخرين.

في نفس إتجاه بوزمان، يؤكد المستقبلي الأمريكي إلفين توفلرصاحب “صدمة المستقبل” و”الموجة الثالثة” و”تحول السلطة” بأن المعرفة مورد لا ينضب وهي البديل للموارد الأخرى. وتقلل المعرفة الحاجة إلى المواد الخام والعمالة والوقت والحيز ورأس المال وتصبح بذلك المورد المحوري للاقتصاد المتقدم وتزيد قيمتها أن السلطة في مجتمع المعرفة ليس مصدرها الحزب أو الفرد أو الدولة، بل التحول الخفي في العلاقات بين العنف والسلطة والمعرفة فيما تنطلق المجتمعات نحو صدامها مع الغد. هذا هو السر الخطير المثير لعصر تحول السلطة كما ينهي توفلر إلى علم من هم في غفلة من أمرهم أو استغفال لشعوبهم.

إن المملكة المغربية و كباقي الدول العربية مهددة بالخروج من جنة المعرفة، وحيث الشرط المحدد لاكتساب المعرفة ليس استيرادها أو استعمالها بكفاءة، بل إنتاجها كقيمة مضافة للإبداع والابتكار وثمة تخوف أن يصبح تراجع المعرفة القائمة على الابتكار المحدد للتخلف وبالتالي تراجع القدرة على التنافس.ومن ثم يمكننا أن نفهم لماذا تقدمت النمور الآسيوية التي ركزت على انطلاقة تعليمية في حين تعثرت جل دول المغرب العربي التي لم تهتم بالتعليم كثيرا ماعدا الشقيقة تونس التي جهّزت مدارسها بالتقنيات المعلوماتية والاتصالية.

ثمة توقع لظهور “أبارتايد معلوماتي” حيث تتم إزاحة دول الجنوب في هذه العنصرية الجديدة وحيث يصبح الأفراد الأميون حاسوبيا فائضين عن الحاجة، فقد أصبحت القوة في يد من ينتج المعلومات ويرسلها، وهو ما يمكّنه من أن يتلاعب بها. لهذا فالجامعة المغربية مدعوة اليوم أكثر من الأمس أن تستشرف غدها عبر استيعاب واستعمال ولما لا إنتاج التكنولوجيا، فكل شيء مكتسب قابل للتعليم والتعلم، يقول البيداغوجيون.

أليس علو كعب مغاربة العالم (وما منصف السلاوي إلا نموذج من نماذج عديدة) ما هو إلا دليل قريب يعاينه القريب والبعيد كما يرصده الصغير والكبير على أننا قادرون على ترك بصمتنا مثل باقي الدول؟

يقسم الأبارتايد العنصري العالم معرفيا إلى شمال وجنوب، كذلك يقسم المجتمع الواحد إلى شمال وجنوب حيث ما يزال المغرب كباقي العرب يسعى إلى محو الأمية الأبجدية في حين أن العالم المتقدم يتحدث عن محو أمية الحاسوب .

والأبارتايد الجديد يعني وجود حلقة ضيقة من المستفيدين من تقنية المعلومات مقابل قاعدة عريضة من الأميين، وهو ما يعني ظهور نخبوية جديدة إعلامية الطابع[ infocapitaliste ou informationelitisme] حيث تستأثر جماعات وشرائح وبلدان معينة بالمعلومات على حساب حرمان أقطار الجنوب، الأمر الذي سيعمق الفجوة المعرفية، والتي تعني تسييد فقر معلوماتي لغياب البنية التحتية المناسبة للاستفادة منها والجهل باللغة الإنجليزية كأداة للتعامل مع شبكات المعلومات، وهو ما يعني أيضا تسييد الهيمنة الثقافية الأمريكية خاصة والغربية عامة.

ودون الدخول في متاهة الأرقام والنسب التي تؤكد بجلاء تصدر السويد- والنرويج وفنلندا وسويسرا وهولندا وكندا وألمانيا – قائمة الدول ذات البنية التحتية الاتصالية الجيدة.فيمكننا الحكم على تدني مؤشرات رأس المال المعرفي في المجتمع المغربي الذي يقع خارج “خط التقسيم الرقمي” وأهمها: متوسط سنوات التمدرس، عدد الصحف اليومية لكل ألف من السكان، عدد أجهزة التلفاز لكل ألف من السكان، عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير لكل مليون من السكان، عدد طلبات تسجيل براءات الاختراع لكل مليون من السكان، وعدد الكتب المنشورة لكل مليون من السكان، عدد خطوط الهاتف الرئيسية، عدد مشتركي خدمة التلفون المحمول، أو استخدام شبكة الانترنيت لكل ألف من السكان.

على ضوء هذهالتجربة المضيئة في تاريخ أمم أوروبا الشمالية، يمكن القول إن المنظومة المغربية في إدخال التقنية إلى أساس المجتمع في المدارس والمكتبات، قد فشلت حتّى الآن، ولذا يبقى هناك الكثير مما ينبغي عمله لتبني تقنية المعلومات، إلى جانب أن توصيل المدارس بشبكة الانترنيت جاء أقرب إلى الديكور منه إلى التوظيف الحقيقي، وأن تكون تقنية المعلومات وسيطا حقيقيا في التدريس .

قبل أن نختم، نقول أن ولوج اقتصاد مجتمع المعرفة يمر بتبني الإستراتيجية التالية ذات المبادئ البديهية:

  • تجاوز حاجز اللغة، حيث أن اللغة المستخدمة بنسبة كبيرة في المنتجات التقنية والمعلوماتية في شبكة الإنترنت هي اللغة الإنجليزية.
  • تجاوز الأمية المعلوماتية.
  • تجاوز الشعور بأن إدماج التكنولوجيا في المدرسة سيزيد من أعباء المعلم.
  • عدم إغفال الحاجة إلى تعلم أساليب وطرق جديدة.

لقد كان من دوافع الاندماج والدخول في اقتصاد المعرفة الإدراك المتزايد للمؤسسات بأن المعرفة تعد موردا أساسيا لخلق القيمة، ومن ثم يجب استغلالها بشكل جيد وتسييرها استراتيجيا وبشكل واضح وفعال. إن مفهوم المعرفة كمورد استراتيجي يؤكد على إمكانية تسييرها واستعمالها وتخزينها بسهولة، فالمؤسسات الهادفة إلى تحقيق ميزة تنافسية لا تهمها المعرفة بحد ذاتها، بل قدرة وإمكانية توظيفها وتسييرها استراتيجيا كأحدأهم الموارد الداخلية المسؤولة في الاقتصاد الجديد عن تنمية الميزة التنافسية للدول والمجتمعات.

 

 

[1]  دينا محى الدين محمد، “الاقتصاد القائم على المعرفة وأهمية تنمية الموارد البشرية في ماليزيا“، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، مصر، عدد أكتوبر، 2011، ص 884.

  • RukhasanaKalim and salesman Aziz, The Knowledge- Based- Economy; Trends and implications For Pakistan, pp. 1:3 – available at: www.pide.org -pk

[2]  مراد علة، الاقتصاد المعرفى ودوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقطار العربية- دول مجلس التعاونالخليجى العربية نموذجاً ،  الرابط : Http://www,gicief,sesric,org,,,,,/session 4/20%,, ص3.

[3]  Organization for Economic Cooperation and Development, The Knowledge- based Economy, OECD Documents, OECD/GD 102, 1996, PP. 9-11.

[4] Asia – Pacific Economic Cooperation. Available at: www.apec.org/ Meeting- papers / leaders- declaration / 2000-aclm- aspx.

[5] (www.worldbank.org.

[6] أبحاث البنك الدولى, بناء اقتصاديات المعرفة, استراتيجيات تنموية متقدمة، ترجمة محمد أمين مخيمر وموسى أبو طه, دار الكتاب الجامعى, العين, 2009, ص60 وما بعدها – وكذلك بالقوم مزيد, مرجع سابق ذكره, ص 14 وما بعدها.

[7] يتم اشتقاق دليل الاقتصاد المعرفى(KEL) من هذه الأدلة الفرعية الأربعة ويطلق مصطلح دليل المعرفة (KI. knowledge Index) على الدليل العام المشتق من الأدلة الثلاثة الأولى فقط (أي دون الإطار المؤسسى) وقد أضيفمؤخراً (2009م) ركيزة خامسة ممثلة فى الحكومة الجيدة (Good Governance) , ولكن فى واقع الأمر يمكن إدراجها ضمن ركيزة الإطار المؤسسى وبيئة الأعمال.

[8] د. محمد جابر طاهر الشمرى, “دور اقتصاد المعرفة في تحقيق النمو الاقتصادى, مصر نموذجًا”, مجلة الغرى للعلوم الاقتصادية والإدارية, كلية الإدارة والاقتصاد, جامعة الكوفة, العراق, العدد1, 2008, ص 72.

[9] Keith Smith, What is The “Knowledge economy”? Knowledge – intensive industries and distributed- Knowledge bases, Oslo, May 2000, pp. 2:5, available at: http//:www.ebusinessforum.gr/old/content/ download/working papero54.pdf

[10] David Begg, Economies. The McGrew-Hill Companies, London. 2003, pp. 8:10.

[11] دينا محى الدين محمد, الاقتصاد القائم على المعرفة وتنمية الموارد البشرية في ماليزيا, المجلة العملية للاقتصاد والتجارة, مصر, عدد أكتوبر, 2011, ص 888.

[12] An inquiry into The Nature and causes of The wealth of Nations, An Electronic classics series publications, The Pennsylvania state university, 2005, pp. 8:9. www2.hn.psu.edu/ faculty/ trains/ Adam – smith/wealth – nations.pdf

[13] DragoljubStojanog, Keynes, and economic- crisis: Some reconsiderations, vol. 27, 2009, pp. 294:295.File:///C:/users /Mohamed 20% Osman% Most/Downloads/ 2009 – 2.Pdf.

[14] د. محمد عبد العال, موجهات التنمية الصناعية في الاقتصاد الجديد, ورقة مقدمة إلى المؤتمر السنوى للجمعية الاقتصادية العمانية, مسقط 2-3 أكتوبر, 2005, ص15.

[15] Poul M. Roomer, Endogenous technological change, university of Chicago, tonal of polite – col Economy, 1990, vol. 98, No.5, p: 571: 572. Pages.Stern.Nyu.Edu / primer.

[16] Joseph cartoright, New Growth Theory, technology and learning: Apra stationers Guide, Reviews of Economic development literature and practice: Not, 2001, pp.2:4.

[17]Michael Porter, L’ AvantageConcurrentiel .Paris, Dunod, 2000, P08.

[18]– نبيل مرسي خليل، الميزة التنافسية في مجال الأعمال، مركز الإسكندرية للكتاب، 1998، ص 80.

[19] – عبد السلام أبو قحف، كيف تسيطر على الأسواق، مكتبة و مطبعة الإشعاع الفنية، بيروت، ص264.

[20]Didier Cazal Et Anne Dietrich, Compétences Et Savoirs : Entre GRH Et Stratégie,

Les Cahiers De La Recherche, Claree, Janvier 2003, P02.

[21] – سملالييحضيه، مرجع سابق،ص 08.

شارك عبر
Categories: دراسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *