الإثنين, 24 تشرين1/أكتوير 2016

اليونسي: يرصد تفاعلات المشهد السياسي بالمغرب بعد نتائج الانتخابات التشريعية لـ 7 اكتوبر

اليونسي: يرصد تفاعلات المشهد السياسي بالمغرب بعد نتائج الانتخابات التشريعية لـ 7 اكتوبر

بدية يتقدم المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة بالشكر للدكتور عبد الحفيظ اليونسي على استجابة الدعوة، يقدم الاستاذ الجامعي في هذا الحوار قراءة للمشهد الحزبي والسياسي بالمغرب بعد نتائج الانتخابات التشريعية لـ 7 أكتوبر من خلال ربطها بعدد من العناصر الداخلية والخارجية..

1. بداية ما قراءتكم وتعليقكم لأجواء ونتائج اقتراع 7 أكتوبر 2016؟

قراءة أجواء ونتائج الانتخابات التشريعية 7 اكتوبر 2016، تقتضي النظر اليها من زاويتين على الأقل:

الزاوية الأولى، هي الزاوية الدستورية والمقصود هنا أن دستور 2011 يؤكد في فصله الثاني أن السيادة للأمة، تمارس من خلال ممثليها الذين يتم اختيارهم من خلال الانتخابات، بالتالي فنحن هنا أمام محطة مهمة في بناء شرعية المؤسسات من حيث الوجود والفعل، إضافة إلى أن الوثيقة الدستورية أعلت من مكانة البرلمان سواء في العلاقة بالتشريع أو الرقابة أو التقييم.

الزاوية الثانية متعلقة بالسياق الذي أطر هذه الانتخابات، فكما هو معلوم هنا موجة ارتدادية حول مكتسبات الربيع الديمقراطي عرفت صورا مختلفة يمكن تلخيصها في محاولة إعادة أنتاج السلطوية بطرق دموية أو ناعمة، لكن على ما يبدو أن الاستثناء المغربي امتد أيضا إلى تدبير هذه الموجة من الثورة المضادة إن صح التعبير، بالتالي فقد حاول البعض من داخل الدولة والإدارة الترابية على الخصوص التمكين لفوز حسابي وعددي لصالح من يقدم نفسه على أنه حزب الدولة.

2. بلا شك تابعت تدخل السلطة في مسار الانتخابات ومحاولة توجيه نتائجها لفائدة تيار سياسي معين، كيف تنظر للأمر؟

في الحقيقة هنا لا بد من الدقيق، نحن نتحدث عن تدخل جزء من السلطة الترابية، لكن لا أحد يتحدث عن موقع وموقف الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخبارية من هذه الانتخابات، المؤشرات تدل أن هذه الأجهزة ظلت في موقع الحياد من الصراع الانتخابي، بالتالي فوزارة الداخلية ومن خلال امتداداتها الجغرافية الفعالة أي الولايات والعمالات والقيادات، اشتغلت عبر اليتين: الالية الأولى تشريعية وتقنية من خلال تعديل النصوص القانونية ذات العلاقة بالانتخابات والمثال الدال على ذلك تغيير معدل العتبة من 6 في المائة الى 3 في المائة، وهذا له تأثير مباشر على نتائج الانتخابات، أما من الناحية التقنية فقد تم ذلك من خلال تقسيم الدوائر الانتخابية وهو الذي لاتزال وزارة الداخلية تتحكم فيه رغم المطالب بجعل هذا التقسيم من اختصاص البرلمان، بكل صراحة ما قامت به وزارة الداخلية على هذا المستوى ربما يكون مقبولا بغرض ضبط والتحكم في نتائج الانتخابات لا ينبغي أن ننسى أن للوزارة من الوسائل والاليات لتوقع النتائج، الالية الثانية وهي التي تجلت في العمل المباشر على الأرض والتي انخرط فيها بعض رجال السلطة من مختلف المستويات ولاة وعمال وباشوات وقياد وشيوخ ومقدمين، والذي عملوا في بعض المناطق على انجاح مرشحين بعينهم غالبا ما يحسبون الاعيان. لكن هذا التقييم لا يمكن أن ينسينا أن كثيرا من رجال السلطة رفضوا الانخراط في هذه اللعبة.

3. ارتباطا بالسؤال السابق، حزب العدالة والتنمية رغم كل محاولات التضييق حصل على نتائج إيجابية، هل هذا مؤشر دال على التحول في المشهد الحزبي بالمغرب؟ وهل يمكننا الحديث عن رجوع قوي للتصويت السياسي لذى المواطنين؟

لحزب العدالة والتنمية وجاذبيته الانتخابية سواء ما تعلق بطريقة تدبيره وليس حصيلته، اقصد هنا نظافة يد وزارئه،  وأيضا الالة الانتخابية لهذا الحزب التي اتضح أنها راكمت من التجربة واللوجيستيك ما يمكنها من خوض انتخابات مصيرية في أقل من سنة يعني انتخابات 2015 المحلية و2016 التشريعية، إضافة الى أن الحزب حافظ على حيويته التنظيمية من حيث انتظام انعقاد هيئاته التنفيذية والتقريرية وطنيا ومحليا، دون إغفال شخصية أمين عام الحزب الاستاذ عبد الاله بنكيران، الذي استطاع أن يدخل بيوت المغاربة من مختلف طبقات المجتمع، بخطاب بسيط وصريح، كما أن اسلوب بنكيران في التدبير الحكومي استطاع ربما أن يقنع أوساطا نخبوية في مواقع مختلفة في الدولة بأن خطاب التخويف من الإسلاميين ليس صحيحا وأنه بني على افتراضات خاطئة وربما كاذبة، وهنا يمكن القول إن بنكيران انجز المهمة الصعبة من خلال جعل جزء من الحركة الإسلامية مكونا طبيعيا داخل الدولة والمجتمع.

لكن يصعب الحديث عن التصويت السياسي،أي القائم على البرامج وعلى الفرز الايديولوجي بين الأحزاب السياسية، فاللحظة التي عيشها المغرب هي محاولته الثانية لانجاز الإنتقال الديمقراطي، والمعروف أن في مراحل الانتقال الديمقراطي، أن الذي يغلب عليها هو التوافق في مختلف القضايا وليس المفاصلة. لكن هذا االمر لا يعفينا من تأكيد أن الشعب المغربي يعرف تغييرات مهمة سواء من حيث البنية الديموغرافية من حيث اتساع قاعدة الشباب والشيوخ ايضا، إضافة الى اتساع استعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة ووسائل التكنولوجيا الحديثة، والتي لا تفترض بالضرورة معرفة القراءة والكتابة. الأكيد أن هذه الوسائل استعملها الحزب الفائز بالانتخابات استعمالا ناجعا ومؤثرا.

4. هناك قراءات متواترة بين مثقفين من تيارات ومشارب فكرية مختلفة ترى في نتائج 4 شتنبر، و7 أكتوبر انتصارا سياسيا للعدالة والتنمية وهزيمة لغريمه الأصالة والمعاصرة، إلى أي حد تُفيد منطلقات هذه القراءات في تبني هذا الطرح؟

بعيدا عن منطق الانتصار والهزيمة، أنا أميل إلى تبني قراءة أخرى تذهب إلى التأكيد على أن مخرجات العملية السياسية ككل ببلادنا بما فيها الانتخابات الأخيرة، لحظة مهمة في التاريخ المعاصر للمغرب للمزيد من توسيع هامش الديمقراطية وترسيخ سيادة الامة، والتقدم في اتجاه بناء نظام سياسي يجمع بين مقومات بقاء الدولة واستمرارها، والتمكين للارادة الشعبية في تقرير مصيرها. بمعنى أن الفرز الذي بدأ منذ 2011، مستمر إلى غاية اللحظة، اقصد هنا الفرز بين من يريد إعادة انتاج السلطوية لكن بوسائل جديدة، وفي نهاية المطاف تحقيق نظرية تغول الدولة المسيطرة على الفضاء العام والخاص، ثم هناك من يريد أن يوسع من مساحة حضور إرادة الشعوب في الاختيارات الكبرى والمصيرية لهذه البلدان، هناك معطى ثابت لا بد من التأكيد عليه هنا وهو أن التعامل مع الدولة الحديثة كجهاز وسلطة وإدارة، في بلد كالمغرب لا يزال في بدايته فـ50 سنة في تاريخ الشعوب ليس بالمدة الكافية لبناء تقاليد وأعراف في الحكم والادارة والسلطة.

من هنا أرى أن أي قراءة في التدافع الموجود بالمغرب يجب أن يبتعد عن خطاب الانتصار والهزيمة، لأن الأهم هو أن يتم ذلك في إطار الاجتماع السياسي القائم على السلم والأمن والاعتراف بالآخر، فالنظريات التي قام عليها الاجتماع السياسي في الغرب، والتي افرزت أنظمة ديمقراطية،  انطلقت أساسا من ضرورة تحقيق السلم والأمن، توقيف الحروب والاقتتال.

5. قبل الانتخابات كان واضحا بروز قطبية حزبية مسيطرة على المشهد السياسي بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، هل هي سليمة؟ وهل بالفعل نحن أمام تقاطب منحاز للخيار الديمقراطي والآخر منحاز للمركب السلطوي؟

الحديث عن القطبية حديث مغلوط، وهدفه الأساسي هو تطبيع وضع حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد السياسي، لا يمكن الحديث عن قطبية لسبب بسيط هو عدم وجود عمق مجتمعي للطرف الثاني لهذه القطبية، هل حزب الأصالة والمعاصرة يتمثل التوصيف الدستوري والسياسي لمفهوم الحزب؟ لا أظن ذلك. هذا حزب انتخابي، يمثل تجمع مصالح ويعبر عن هواجس وتخوف جزء من النخبة المرتبطة ببعض القوى الخارجية، من الحزب السياسي ذي المرجعية الإسلامية.

6. ما هو تعليقك على انهيار أحزاب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي، خاصة باصطفافها ضد الحكومة، وما هي قراءتك أيضا لنتائج التقدم والاشتراكية مع العلم أنه تحالف استراتيجيا مع العدالة والتنمية؟

لا يمكن الحديث عن انهيار هو تراجع لهذه الاحزاب، ويمكن اضافة نعت انه تراجع كبير، هذه احزاب وطنية لها عمق تاريخي ووطني كبير، بالنسبة لحزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي تراجعهم مرتبط بتدبيرهم للحكومة منذ 1998 الى غاية 2011، وخبرهم الشعب، إضافة الى سعي جزء من الدولة الى اضعاف هذه الأحزاب من الداخل اي استهدلف شرعية قياداتهم، المؤتمرات الاخيرة افرزت توترا بين مكونات هذه الاحزاب انتجت انشقاقات وانسحابات، اضافة الى ان بعضهم انخرط في معركة لا شأن لهم بها، وربما قدمت وعود لهذه القيادات، كل هذا كان وهما ولم يكن حقيقة، اضافة إلى وجود قدم الأصالة والمعاصرة لعدد كبير من الاعيان التي كانت تنجح باسم هذه الاحزاب، وفي اعتقادي أن حزب الاتحاد الاشتراكي أصابه وهن تنظيمي نتيجة بحثه عن الكسب غير المشروع على مستوى الانتخابات من خلال الاستعاضة عن المناضلين لصالح كائنات انتخابية لها كانت موضوع احكام قضائية.

بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية أنا أرى أن الحزب ضعيف من حيث بنيته التنظيمية، صحيح أن له اسهامه القوي في انجاح تجربة حكومة بنكيران الأولى، من حيث تسويق صورة ايجابية في الداخل والخارج لحزب العدالة والتنمية، وأيضا في تدبيرهم للقطاعات الوزارية التي اشرفوا عليها، لكن حضوره في المدن والقرى حضور ضعيف، والسلوك التصويتي للمغاربة يبدو أنه يتأثر بقرب المناضلين منهم وحضورهم الدائم بجانبهم. لكن يجب أن لا نغفل أن حزب هذا الحزب كان ضحية العتبة والتقسيم وكذا تدخل رجال السلطة.

7. بعض القراءات اتجهت واعتبرت تشكيل تحالف حكومي بقيادة العدالة والتنمية شبه مستحيل، أولا ما تعليقك على هذه القراءة، ثانيا ما هي التحالفات الممكنة في نظرك؟ وهل يمكن أن نرى تحالفا حكوميا بقيادة العدالة والتنمية دون التقدم والاشتراكية؟

إعادة تعيين بنكيران لقيادة الحكومة في اعتقادي جعلت من هذه القراءة غير ذات موضوع، إضافة إلى أن حزب العدالة والتنمية راكم تجربة مقدرة في التفاوض، إضافة إلى سمة الوفاء والتنازل التي تسم سلوك بنكيران، بالتالي لا أظن ان الواقع السياسي والتحديات الراهنة داخليا وخارجيا يمكن أن تدفع في اتجاه أزمة تشكيل الحكومة، كما أن ما أسماه الجابري رحمه الله بالقوة الثالثة هي في موقع ضعف الآن أو على الأقل هي مرتبكة و رهينة ردود الفعل، ولا يمكن في اعتقادي أن تعرقل تشكيل الحكومة، قد تتمكن من وضع بعض المثبطات التي تساعدها على فرملة عمل الحكومة أو حماية مصالحها. كما أن المعطيات اليوم تشير إلى أن تشكيل الحكومة مسألة الوقت.

بالنسبة لحزب التقدم والاشتراكية هي ثابت في تشكيل الحكومة المقبلة لاعتبار سياسي قائم على وجود تحالف قبلي بين الحزبين، ثم هناك تقدير من داخل الحزب القائد للحكومة أن حزب التقدم والاشتراكية دفع ثمن دعمه لتجربة الانتقال الديمقراطي التي يقودها حزب العدالة والتنمية.

 أعدَّ الحوار: ذ. الحسن حما. ذ. يحيى شوطى