الجمعة, 24 شباط/فبراير 2017

حوار مع الدكتور محمد الكوادي حول: آفاق البنوك التشاركية بالمغرب

حوار مع الدكتور محمد الكوادي حول: آفاق البنوك التشاركية بالمغرب

في هذا الحوار الذي أجراه معه الموقع الرسمي للمركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة، يقدم الدكتور محمد الكوادي قراءته لموضوع البنوك التشاركية الذي أكمل المغرب سلسة إدماجها في منظومته الاقتصادية والمالية مطلع هذه السنة، بإبرازه للفروق الجوهرية بين البنوك التشاركية المؤطرة بتوجيهات الشرع الإسلامي ونظيرتها الأجنبية باعتبارها امتدادا للبنوك الأجنبية.

ويعتبر الكوادي التجربة الحالية للبنوك التشاركية بالمغرب امتدادا للمحاولة الأولى لدخول أول بنك إسلامي مطلع تسعينات القرن الماضي مع بنك البركة ثم المحاولات التي تلتها، والتي يؤكد أنها تجربة ستساهم لا محالة في تنمية الاستثمار في مختلف القطاعات من فلاحة واقتصاد وصناعة وخدمات، على الرغم من التحديات التي من المفترض أن تعترضها، والمتمثلة أساسا في فتوة التجربة.

 ما تعريفكم للبنوك التشاركية؟

         يمكن تعريف البنوك التشاركية باقتضاب شديد، أنها مؤسسات مالية واستثمارية تتعامل وفق أحكام الشريعة الإسلامية بين العملاء والشركاء، ربحا وخسارة (غنما وغرما)، دون فائدة ربوية في المشروعات والمعاملات الحقيقية والحلال. وقد عرفها القانون البنكي المغربي الجديد رقم.12.103 الصادر بالجريدة الرسمية عدد 6328 بتاريخ فاتح ربيع الآخر 1436ه الموافق ل 22 يناير 2015، في الباب الأول من القسم الثالث، على أنها أشخاصا عتبارية خاضعة لأحكام هذا القانون لمزاولة الأنشطة والعمليات التجارية والمالية والاستثمارية، التي لا تؤدي إلى تحصيل أو دفع فائدة أو هما معا، وتتلقى الودائع الاستثمارية من الجمهور المرتبط عائدها بناتج الاستثمارات المتفق عليها مع العملاء.

         ويمكنها تمويل العملاء بواسطة المنتوجات الشرعية من مرابحة وإجارة ومشاركة ومضاربة واستصناع وسلم، مع إمكانية اعتماد أية معاملة شرعية أخرى شريطة الحصول على الرأي بالمطابقة الصادر عن المجلس العلمي الأعلى ومراقبة السلطة المالية لبنك المغرب.

  1. ما الفرق بينها وبين البنوك التقليدية؟

هناك فروق جوهرية وواضحة بين عمليات نوعي البنوك، حيث إن البنوك التشاركية أو الإسلامية تمتح من توجيهات الشرع الإسلامي وقواعد فقه الأموال ومقاصد الإسلام، فنجدها تحث أساسا على المشاركة في الربح والخسارة (الغنم بالغرم) بين الشركاء والمتعاملين لتحقيق العدل ما أمكن بينهم، وتفادي كل أشكال الغرر والاتجار في المحرمات من خمر وميسر ولحم خنزير وأسلحة وغيرها من المعاملات التي تسبب الأضرار للفرد والمجتمع، في ارتباط بأصول حقيقية، إضافة إلى دعمها للتنمية الاجتماعية من خلال تمويل الفئات الصغرى والمحرومة في المجتمع. ومما يعزز مكانة البنوك التشاركية وتمتين أدوارها وجود هيئة للرقابة الشرعية إلى جانب الرقابة المالية لبنك المغرب، من شأنها مراقبة مدى موافقة عملياتها للشريعة الإسلامية.

أما البنوك التقليدية فهي امتداد للبنوك الأجنبية، دخلت المغرب بدخول البلد تحت وصاية الاستعمار ومنه الاستعمار الاقتصادي والمالي، إذ تنبني أساسا على الفائدة كمحرك ضروري لمختلف معاملاتها الإقراضية، في إطار نظام اقتصادي ومالي مترابط مع المؤسسات المالية المركزية داخل كل بلد، ومع المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وقد استعملت هذه المؤسسات لبسط الدول الامبريالية نفوذها الاقتصادي والمالي من خلال إثقال ميزانيات الدول المستعمرة بالديون، فأدخلتها في دوامة الاستدانة كبلت حظوظها في الإقلاع الاقتصادي والتنمية، ودخلت اقتصادياتها في متاهة معقدة من خدمة الدين لا تنتهي، كما أنها لا تراعي تمويل العمليات والمشاريع المضرة بالاقتصاد كبيع الديون والمعاملات المالية الوهمية وبيع الخمور والرهان، واعتمادها على المضاربات التي تنتهي غالبا بالأزمات، آخرها الأزمة المالية لسنة 2008، التي كانت لها انعكاسات سلبية على كل القطاعات والفاعلين لازالت آثارها مستمرة.

  1. كيف تقرؤون المصادقة على البنوك التشاركية بالمغرب بعد هذه السنوات؟

         إنه وبالرغم من النشاط المبكر للمهتمين المغاربة بهذه الصناعة وريادتهم في هذا المجال، باتخاذ مبادرات حاسمة في تطورها على مستوى العالم الإسلامي، والمساهمة في تأسيس المؤسسات المالية الإسلامية كالبنك الإسلامي للتنمية سنة 1974، ظلت إسهاماتهم على المستوى المؤسساتي البنكي والمالي المحليين تراوح مكانها لعوامل متعددة، ارتبطت بمخلفات الاستعمار وتكريس منطق الهيمنة والتبعية، ولم تكن المحاولات الأولى لدخول أول بنك إسلامي بالمغرب إلا في أوائل عقد التسعينيات من خلال بنك البركة.

         لم يكتب لهذه التجربة النجاح، فجاءت تجربة المعاملات البديلة من خلال توصية بنك المغرب سنة 2007، عبر بنك الصفا التابع للتجاري وفا بنك، الذي بدأ العمل بهذه المعاملات سنة 2010. لكن بعد تقويم نتائج هذه التجربة تبين أنها لم تسهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب بالشكل المأمول، بفعل ارتفاع التكلفة وعدم مشاركة البنوك في تحمل المخاطر، مما كرس استمرار هيمنة المعاملات التقليدية التي لا تتوافق والقيم الدينية والأخلاقية لفئة عريضة من المغاربة.

         حتى أطلت نسائم الربيع العربي الذي خلق خلخلة في بنيات الأنظمة العربية، وصعدت لسدة الحكم تيارات الإسلام السياسي، فبدأت سنة 2011 عمليات مأسسة قانون البنوك التشاركية، هذا المشروع الذي سيرى النور بعد مخاض عسير استمر زهاء خمس سنوات، ليتوج بصدور قانون مؤسسات الإئتمان والتي تدخل في حكمها في مطلع سنة 2015، وضمنه فصل خاص(الفصل الثالث) بالبنوك التشاركية وعملياتها وضوابطها، ثم تغيير وتتميم الظهير المنظم للمجلس العلمي الأعلى لإحداث لجنة شرعية للمالية التشاركية بداخله، بعدما تمت المصادقة على قانون الصكوك من قبل، في حين لا زال مشروع قانون التكافل ينتظر المصادقة، لتكتمل مكونات المالية الإسلامية الأساسية التي يكمل بعضها بعضا.

         وقد توج صدور هذا القانون بالترخيص، في مطلع هذه السنة، لمجموعة من البنوك المغربية بشراكة مع مؤسسات أجنبية مختصة في صناعة المالية الإسلامية، وخاصة المؤسسات الخليجية التي ستضخ رؤوس أموال مهمة في الدورة الاقتصادية الوطنية، لاسيما في قطاع السكن، مما سيحرر البنوك من ضغوط السيولة المالية، التي ستمكنها من الاستمرار في توظيف الأموال والاستثمارات خارج المغرب كالسياسة التي تبنتها في إفريقيا. وقد عقدت الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية طيلة هذه الفترة، وأنشأت تكوينات جامعية في هذ الصناعة بمختلف جامعات المغرب، ساهمت في إثراء النقاش وتعميقه دعما لهذه التجربة الفتية، التي حاولت الاستفادة من التراكم المعرفي في هذا المجال.

         تعد المصادقة على إدخال البنوك التشاركية بالمغرب، كآخر بلد عربي وإسلامي خطوة مهمة وكبيرة في تلبية طموحات فئة مهمة من المغاربة كانت تتحرج في التعامل مع البنوك التقليدية، أو تقاطعها أساسا باعتماد أساليب تمويلية خارج الإطار الرسمي لدورة الاقتصاد الوطني، من قبيل القروض التضامنية(دارت/القرعةla tournante )، مما قلص نسبة الاستبناك و دعم تمويل الاقتصاد الوطني، وخلق مزيد من فرص الشغل، وامتصاص أفواج العاطلين.

  1. هل تتوقعون أن تؤثر البنوك التشاركية على البنوك التقليدية؟

         أثار دخول قانون البنوك الجديد هذا(مؤسسات الإئتمان والتي تدخل في حكمها)، لدى المهتمين بالشأن الاقتصادي والمالي وفئة خاصة من المستهلكين التي ترفض التعامل مع البنوك التقليدية، علما أن معدل الولوج للخدمات البنكية لم يتجاوز 70 في المائة حسب آخر معطيات البنك المركزي، تساؤلات كثيرة تروم معرفة درجة قابلية البنوك التشاركية لتعزيز النظام التقليدي في إطار رؤية مندمجة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية القطاع المالي والتحديات التي يواجهها. ومن وجهة نظرنا، نظن أن هذه التجربة ستساهم لا محالة في الرفع من نسبة الاستبناك و تعزيز وتقوية الدورة المالية الرسمية بمحاربة القطاع المالي غير المهيكل، وخلق تنافس بين النظامين البنكيين مما سيسهم في تنويع العروض المالية والاستثمارية وتجويدها وترشيدها، و سيكون له الأثر البالغ على تنمية الاستثمار في مختلف القطاعات من فلاحة وصناعة وخدمات، خاصة المشروعات الصغرى والصغيرة جدا.

  1. وما هي التحديات التي يمكن أن تعترض البنوك التشاركية؟

يمكن أن نرصد التحديات التي من المفترض أن تعترض البنوك التشاركية في عوامل أهمها: فتوة التجربة التي يمكن أن تتأثر بظروف مرتبطة أساسا بقلة الموارد البشرية المتخصصة في هذه الصناعة، خاصة تلك التي تتوفر على تكوين علمي ومهني مزدوج ومتين في المالية التقليدية وفقه الأموال ومقاصدها، وهناك تحديات ضريبية  تتعلق أساسا بمنع الازدواج الضريبي أو ثقله مما يرفع تكلفة منتوجات هذه البنوك،وقانونية ترتبط بعلاقتها ببنك المغرب كبنك مركزي له وصاية في نفس الآن عليها وعلى نظيرتها البنوك التقليدية، فالنظام المالي التقليدي يختلف تماما عن النظام المالي التشاركي الإسلامي، فكيف يمكن لهذه المؤسسة أن تتعامل على قدم المساواة مع نظامين مختلفين في المرجعية و الآليات والأسس والمقاصد؟، مع العلم أن هذا الإشكال طرح ولازال في الدول التي لم تحول نظامها المالي كليا إلى نظام تشاركي.

ومن التحديات الأخرى، اكتمال تواجد وتعزيز كل مكونات المنظومة التشاركية من تأمين تكافلي و صكوك مالية بسوق الرساميل باعتبارها آليات داعمة ومكملة، إضافة إلى التخوف من الاقتصار والاعتماد الكبير على المداينات من مرابحة وإجارة، في مقابل الدور الاستثماري والتنموي الحقيقي الذي يمكن أن تقوم به المشاركات من مضاربة ومشاركة في محاربة الهشاشة وخلق مزيد من فرص الشغل وتقليص الفوارق الطبقية والمجالية.

لذلك ولضمان نجاح تجربة المالية التشاركية يتعين توفير كافة الشروط اللازمة لذلك، ولعل من بين أهم تلك الشروط أن يعمل بنك المغرب على إخراج المناشير التي تحدد تفاصيل عدد من المواد في مشروع القانون الجديد، وبالسرعة المطلوبة، و أن يتسم عمل المجلس العلمي الأعلى وباقي مؤسساته بالفعالية والسرعة المطلوبة للنظر في العقود وتقويمها وتطويرها المستمرين، دون أن ننسى الدور الأساسي الذي يمكن أن تضطلع به كل الهيئات الرقابية في مراقبة وزجر كل المخالفات المالية.

  1. ما هي الآفاق الاقتصادية التي ستفتحها المالية التشاركية للمغرب من خلال العمق الإفريقي؟

إن علاقات المغرب الاقتصادية والمالية والدينية التاريخية المستمرة، قاريا ودوليا في ارتباط بأدوات هذه الصناعة تعتبر جد واعدة، باعتبار موقع المغرب الجيواستراتيجي ومؤهلاته الطبيعية والبشرية والتقنية ومتانة نظامه المالي والبنكي، خاصة إذا علمنا أن مجموعة من الدول الإفريقية أنشأت بنوكا إسلامية، وسجلت اقتصادياتها نسب نمو متسارعة تجاوزت 6% سنويا،متفوقة على مجموعة من الاقتصاديات المتقدمة، كما أن المرحلة الحالية تتميز بدافع استراتيجية اقتصادية حقيقية تندرج في إطار الرؤية المتوسطة والطويلة المدى، الموجهة نحو تحقيق اندماج جهوي أعمق في أبعاده التجارية والمالية والاقتصادية بل حتى النقدية.

ومن شأن هذه التجربة تعزيز موقع المغرب كمركز مالي في إفريقيا عبر القطب المالي للدار البيضاء، هذا المركز الذي يحتل المرتبة 62 عالميا والثاني قاريا ،كما يؤكد ذلك دخوله الأخير ضمن مؤشر المراكز المالية الدولية وإقحامه لمؤشرات مالية تشاركية، وقدرته على استقطاب الأموال الأجنبية خاصة الخليجية منها التي تبحث عن فرص استثمار آمنة في ظل أجواء تخيم عليها آثار الأزمة المالية الأخيرة،ومستثمرة نسبة هامة من الموارد البشرية من فئة الشباب أساس كل تنمية موضوع القمة الإفريقية الأخيرة بأديس أبابا، التي توجت بعودة المغرب لأسرته الإفريقية كفاعل اقتصادي ومالي أساسي.

 هذه العلاقة التي من المرتقب أن تعطي نفسا جديدة للاقتصاد المغربي، مع تنامي الاهتمام الذي تبديه المملكة خلال السنوات الأخيرة بالاستثمار في إفريقيا من خلال علاقة رابح ورابح في إطار علاقة جنوب-جنوب، حيث ستمكنها من ولوج أسواق مالية جديدة بتوسيع البنية التحتية البنكية، وخلق نوافذ للمعاملات المالية، وجذب الاستثمارات وتوزيعها على هذه المناطق، وخلق صيغ عملية تنموية تشرك بين المال والعمل، وتدعم  البنية التحتية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني خاصة، على اعتبار الفقر الذي يعانيه معظم مواطني الدول الإفريقية،  وتوفير هامش مناورة أكبر في حال ضيق الأسواق المالية التي تتعامل معها حاليا.

وتعد مبادرة "صندوق إفريقيا 50"  الذي تأسس بشكل رسمي بداية سنة 2014 في الدار البيضاء، الذي اعتبره كاليدو كاديو، المستشار القانوني العام للصندوق الافريقي للتنمية،  مدخلا جديدا باستعمال الصكوك الإسلامية إلى جانب الطرق التقليدية، في تمويل المشاريع الكبرى والاستثمارات طويلة الأمد التي تمتد ما بين 15 و20 سنة، وهي آليات غير مكلفة، تعتمد المشاركة في المشاريع وليس منح قروض تمويلية، من أجل امتصاص العجز في البنيات التحتية أساسا بالقارة الإفريقية.

ويمكن للمجموعات والاتحادات الاقتصادية والمالية الإفريقية، كالاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا (الإيموا)، وتجمع دول الساحل والصحراء (سين صاد)، أن تدعم هذه المبادرات، خاصة وأنالمغرب حاليا يتفاوض حول اتفاقيات شراكات استراتيجية من بينها الإنشاء التدريجي لمناطق للتبادل الحر مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إكواس)، والمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا (سيماك).إضافة إلى الدور الكبير الذي يقوم به البنك الإسلامي للتنمية في دعم التنمية بالدول الإسلامية الأعضاء ومنها العلاقات مع الدول الإفريقية ذات التواجد الإسلامي المهم.

إن تحقيق اندماج جهوي في أبعاده المتعددة، سيساهم في تحرير قدرات القارة ومؤهلاتها، ومنح مواطنيها فرص الحياة أفضل،و سيساعد إفريقيا على تحمل مسؤوليتها والاعتماد على إمكانياتها الذاتية، عبر تطوير الشراكات جنوب- جنوب بين القطاعين العام والخاص، وتسهيل تبادل التكنولوجيات والخبرات، والمالية الإسلامية، وضمنها البنوك التشاركية  تمتلك كل الإمكانات لدعم هذه السياسات والتوجهات، خاصة في شقها الفني والعلمي والتكويني للطلبة والخبراء والمهنيين، على غرار مركز لندن الذي يضم أكثر من 55 مؤسسة للتكوين تستقطب الطلبة والمهتمين من كل بقاع العالم،مما يمكنها من أن تجعل المغرب رائدا في هذه الصناعة، وباستثمار وساطته وعلاقاته بين مجموعة من الدول الغربية والعربية التي نسج معها اتفاقيات للتبادل الحر، كالولايات المتحدة الأمريكية والصين وتركيا والأردن وتونس ومصر، لدعم عمقه الإفريقي.

أجرى الحوار: الحسن حما