الجمعة, 10 آذار/مارس 2017

حسابات حزبية تعرقل ميلاد الحكومة المغربية

حسابات حزبية تعرقل ميلاد الحكومة المغربية




أجرى مدير المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة امحمد الهلالي حوارا مع جريدة الوطن القطرية حول عدد من القضايا، التي تهم المغرب وعلاقاته الإقليمية، وخاصة مسار تكشيل الحكومة وأسباب تعثر المشاورات، حيث اعتبر الهلالي أن «ما يجري بخصوص تشكيل الحكومة أكبر بكثير من المعادلة الحزبية بحساباتها الواسعة والضيقة معا»، مضيفا: «ما يجري هو رفض عدة أطراف التسليم بنتائج الاقتراع ومحاولة الرجوع إلى ما قبل دستور 2011 والخطاب التاريخي لـ 9 مارس». وفيما يلي نص الحوار كاملا:


كيف تعلقون على استمرار عدم تمكن بنكيران من تشكيل الحكومة حد اللحظة؟


- من زاوية اهتمام المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة نحب استعمال توصيف «طول عملية المشاورات وصمود رئيس الحكومة المعين أمام محاولات الانقلاب» على الاختيار الديمقراطي المنصوص عليه دستوريا ضمن الثوابت الوطنية والمترجم في الإرادة الشعبية يوم 7 أكتوبر 2016 ولذلك لا نتحدث عن عدم تمكنه من تشكيل الحكومة ولكن عن رفضه للإملاءات التي تقع خارج النطاق الدستوري والسياسي والناتجة عن عدم التسليم بنتائج صناديق الاقتراع من قبل الأطراف المنهزمة وما تمثله وفقما كشفت عنه أطراف حزبية وتناقلته وسائل إعلام واعترفت به في الآونة الأخيرة أطراف شاركت في خطوة 8 أكتوبر الرامية إلى دفع الأحزاب المفترضة لتشكيل الأغلبية لرفض التحالف والمطالبة لاحقا بتعديل دستوري ينقلب على الفصل 47 الذي دسترة المنهجية الديمقراطية. غير أن الالتزام الملكي بالدستور في أوسع تأويل دستوري له مازال يشكل ضمانة قوية تدعم رئيس الحكومة في تشكيل حكومة تعبر عن الإرادة الشعبية وتراعي استحقاقات المرحلة المقبلة المتمثلة في مواصلة الإصلاحات الكبرى ورفع تحديات المغرب في محيطه الجيوستراتيجي ووضعه الجديد في مؤسسات الاتحاد الإفريقي.
هل يمكن تصور سيناريوهات معينة لإنهاء هذا الانسداد؟
-على خلاف ما تم ترويجه بالاستناد إلى أساتذة في علم السياسة والقانون الدستوري، والذي يبحث عن تأويلات غير دستورية، وضد المنهجية الديمقراطية، ليس ثمة أي سيناريو آخر، سوى تسليم جميع الأطراف بنتائج انتخابات 7 أكتوبر، وإجابة مكونات الأغلبية السابقة التي فازت بالانتخابات دعوة رئيس الحكومة، وذلك بعد أن تضمن العرض السياسي لرئيس الحكومة إمكانية التمييز بين الأغلبية السياسية التي يمكن أن تضم كلا من حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي والأغلبية الحكومية التي يصر أن تظل محصورة في الأغلبية السابقة مع مرونة في إمكانية احتساب حزب الاتحاد الدستوري المشكل لفريق واحد مع حزب الأحرار ضمن هذه الأغلبية.
هناك من يدعي أن حسابات حزبية ضيقة حكمت المشاورات السابقة لتشكيل الحكومة.. كيف تعلق؟
- ما يجري بخصوص تشكيل الحكومة أكبر بكثير من المعادلة الحزبية بحساباتها الواسعة والضيقة معا، ما يجري له منطق سياسي واحد وهو من جهة أطراف البلوكاج/ العرقلة رفض التسليم بنتائج الاقتراع ومحاولة الرجوع إلى ما قبل دستور 2011 والخطاب التاريخي لـ 9 مارس ومن جهة أخرى تشبث نخبة سياسية ديمقراطية بالإرادة الشعبية وبالمكتسبات التي حققها المغاربة في كدحهم الطويل من أجل الديمقراطية والإصلاح في ظل الاستقرار، ولذلك قد تكون الأحزاب جميعا أكبر ضحية لهذا البلوكاج.


كيف تنظر إلى خطوة عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي؟


-هذه العودة هي تتويج لمسار طويل انطلق برؤية استراتيجية للدولة انبثقت من قراءة واعية للتحولات التي يعرفها العالم وسعت إلى التكيف السريع مع ملأتها بتقديمها لعرض سياسي يؤطر تعاون جنوب - جنوب وهو عرض يقوم على المصالح العليا لإفريقيا قارة ومؤسسات ويحل الديمقراطية والتنمية محل الإيديولوجيا والنزعات الأنانية لزعماء مرحلة السبعينيات. وهو قرار طبيعي للفعل الذي قاده المغرب لفائدة إفريقيا في المحافل الدولية وعبرت عنه خطابات تاريخية للعاهل المغربي، وساد في قمم المناخ أو محافل منتديات حقوق الإنسان أو في بعض المحافل الجهوية بخطاب قمة الخليج العربي وغيره، فالمغرب تمت مكافئته على الدور الريادي الذي قدمه بوصفه محامياً إفريقياً، وبوصفه يمتلك رؤية جديدة توافقت مع زعماء جدد لإفريقيا تقوم على نموذج ديمقراطي تنموي أعطى المثال في احترامه وتطبيقه طيلة عقدين وترسخ خلال الخمس سنوات الأخيرة في محيط مضطرب أو مكهرب.


هل هذه العودة ستخدم أجندة الرباط خاصة في العمل على إضعاف جبهة البوليساريو؟


-البوليساريو لا يضعفه سوى ارتهان قراراتها لقراءة سياسية تعود إلى مرحلة الحرب الباردة، وعدم قدرتها على قراءة نافعة لما يجري دوليا وإقليميا، وخاصة بعد الربيع العربي، وبعد أن أصبح أولوية الأمن والاستقرار مقدمة على حسابات الإيديولوجيا. قوة البوليساريو هي في مغرب موحد ديمقراطي ومتضامن يحكم فيه أهل الصحراء شؤونهم بأنفسهم في نطاق حكم ذاتي موسع يحترم السيادة الوطنية للمغرب وينشد تعاونا إقليميا مندمجا ليس في نطاق المغرب العربي وحسب ولكن في نطاق الغرب الإفريقي ككل.


ما الدلالات التي يمكن استخلاصها من زيارة الملك المغربي لجوبا.. وما أهداف الزيارة برأيك؟


-أول دلالة لهذه الزيارة هو أن المغرب لا يخشى من تجارب الحكم الذاتي لإيمانه العميق أن قضية جنوب السودان تختلف جذريا في الطبيعة والسياق عن قضية الصحراء، وأن العرض السياسي الذي يقدمه لنهضة إفريقيا لا تستثني أحدا وتضع في حسبانه الشعوب والدول الأكثر حاجة فجنوب السودان الخارج لتوه من حرب طويلة، والفتي في نشأته هو في مسيس الحاجة لعد المغرب، وهذا ما يترجم صدقية الرؤية المغربية والعرض السياسي للمغرب كمدافع عن إفريقيا كل إفريقيا، بصرف النظر عن مواقفها السابقة من قضية المغرب التي يمكن أن تكون قد اتخذت من زعماء سابقين في سياق سابق. المغرب حريص أن يعرفها الأفارقة بشكل مباشر وليس بناء على الصورة النمطية التي كرسها عنه خصومه في زمن الكرسي الفارغ.


ما توقعاتكم في الحراك العمالي الذي يطالب أي حكومة قادمة من أجل العودة للحوار الاجتماعي؟


-الحوار الاجتماعي اليوم سيكون في ظروف أفضل بالنظر إلى أن المغرب تمكن من تحقيق الإصلاحات الهيكلية التي كانت تخنقه من قبيل إصلاح المقاصة ولإصلاح التقاعد، وإصلاح مكتب الماء والكهرباء، وأيضا بسبب تراجع عوامل التسييس التي كانت تضغط لمنع التوصل إلى توافق بين أطراف هذا الحوار حيث جرى توقيع النهاية السياسية للحزب، الذي كان يقدم على أنه عنصر في ثنائية سياسية والذي سيشكل بديلا عن الحكومة السابقة فما جرى في 7 أكتوبر يوفر مناخا أفضل لكي تحقق الطبقة العاملة جزءا مهما من انتصاراتها، وربما سيكون هذا الورش من أهم ورش الإصلاح القادمة خاصة إذا ما انطلق من الأرضية المهمة التي توقف عندها، والتي أقرت بضرورة اتخاذ إجراءات مواكبة لمنع أن يؤدي الموظف والعامل تكلفة الإصلاح، فتقرر توسيع المستفيدين من التقاعد لتشمل المهنيين والحرفيين واستفادة الأبوين من التغطية الصحية ثم الزيادة في الدخل بقدر سيوازي تدريجيا ما حصل من زيادات أو انتقاص من بعض الحقوق كما أن تحسن مناخ العمل وتوسيع الحريات سيتعزز قانونا بعد أن تعزز واقعا وفعلا.


كيف تنظر إلى علاقة المغرب بدولة قطر؟


-المغرب بدون شك يحافظ على علاقات متينة مع الخليج العربي مؤسسة ودولا وشعوبا، لذلك فهو يحظى بوضع أقل من عضو وأكبر من شريك لكننا في هذا النطاق نعتز بالعلاقات المميزة مع دولة قطر الشقيقة، ونخب المغرب تنظر بإعجاب إلى ما تشهده قطر من نهضة عمرانية وثقافية وإعلامية مميزة بصمت ببصمة غير معتادة في المشهد العربي، ونحن في المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة نولي أهمية قصوى إلى الإشعاع العلمي للشعب القطري ونخبه العلمية والأكاديمية ومتطلعين أكثر إلى مبادرة تشجيع عودة الأدمغة واستثمار مادتها في نهضة العالم العربي، وممنونين لهذا البلد الذي يقدم مثالا في بنيات الاستقبال العلمية والأكاديمية والجامعية ومراكز الدراسات والبحوث التي يرسيها خدمة للعلم والمعرفة وفي انفتاح على كل مكونات الطيف العربي بدون إقصاء ولا تحيز سوى لمصالح الأمة ونهضتها.