الثلاثاء, 19 تموز/يوليو 2016

المحاولة الانقلابية في تركيا.. قراءة في تداعياتها الإقليمية والدولية

المحاولة الانقلابية  في تركيا.. قراءة في تداعياتها الإقليمية والدولية

لعل الجديد الذي حملته المحاولة  الانقلابية بتركيا التي أعلن الرئيس طيب رجب أردوغان عن فشلها، ليس هي تحرك بعض عناصر الجيش ومحاولتهم الاستيلاء على مقاليد السلطة، دون أخذ الإرادة الشعبية بعين الاعتبار، وإنما هو سياقها السياسي وطريقة التفاعل معها سواء من خلال ردود فعل مؤسسات الدولة أو نخبها الحزبية والإعلامية وكذا تفاعل الشعب.

أولا: سياقات المحاولة الانقلابية

  1. على المستوى الداخلي

لقد عاشت تركيا طيلة سنوات على وقع الانقلابات والحكم العسكري، وعرفت فيها الديمقراطية والتمكين لسلطة الانتخابات والاختيار عبر صناديق الاقتراع مخاضا عسيرا، تراوح بين المد والجزر، إلى أن وصلت اليوم التجربة التركية مستوى جعلها تُعتبر نموذجا يُحتدى به سياسيا واقتصاديا.

وفي ثنايا هذا المخاض تحولت أشياء كثيرا، سواء على مستوى بنية الدولة، أو على مستوى فاعلية المجتمع السياسي والمدني، أو على مستوى نضج باقي مؤسسات التنشئة المجتمعية، وتوجهها نحو تعزيز المشترك الضامن لاستقرار البلاد المُفضي إلى التنمية الاقتصادية من خلال الخطط الحكومية المتوسطة المدى التي تراهن عليها الحكومة التركية لخفض نسبة التضخم من 8.8% العام الماضي إلى 7% مع نهاية العام الجاري، وإلى 6% العام المقبل و5% في العام 2018م.

  1. على المستوى الخارجي

أما على المستوى الخارجي، فلم يكن بعض الفاعلين في النظام الدولي يتابعون بعين الرضى تقدم تركيا، وربحها لدرجات على سلم الدمقرطة والتنمية في الآن نفسه، لذلك ظلت مواقف هؤلاء الفاعلين متوجسة من النجاحات المتوالية التي حققتها البلاد بقيادة حزب ينطلق من مرجعيات قيمية وأخلاقية تختلف بشكل كبير عن القيم المؤطرة لمواقفهم ونظرتهم لمستقبل المنطقة وللعالم بأسره.

مرجعية حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، زادت من توجس الفاعلين الدوليين الماسكين بخيوط استراتيجية تدبير جغرافيا العالم واقتصاده، فكان طبيعيا أن تتم معاكسة تركيا وإيجاد تناقضات بينها وبين جوارها، ومن لهم علاقات القرابة الدينية والتاريخية معها، وتعميق هذه التناقضات إن وُجدت، وهذا ما أشرت عليه محاولات الايقاع بينها وبين دول أوروبية وبينها وبين المملكة العربية السعودية وإيران وأخيرا روسيا، وكان الفاعلون الدوليون خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، يستغلون في كل مرة الأحداث الجارية المتفجرة لأسباب موضوعية أو مصطنعة، لجر تركيا إلى التدخل السياسي أو العسكري من أجل الإلهاء والانهاك، كما حدث وما يزال يحدث في المسألة السورية، أو كما تم استهدافها بعمليات إرهابية متتالية.

لكن الأتراك أبانو عن وعي كبير بما يُحاك ضدهم وضد الفاعل السياسي الإسلامي عموما من خلالهم، باعتبار التجربة التركية باتت ملهمة للكثير من التيارات الإسلامية في عدد من الأقطار، ومطلب تكسير النموذج كان ملحا، سواء بالمحاصرة في مناطق النفوذ المفترضة، أو تعزيز التعاون والتنسيق مع خصوم حزب العدالة والتنمية في الداخل لإرباك التجربة، ولما لا الوصول إلى تفجيرها من الداخل، أو للضغط والابتزاز طلبا لمواقف معينة أو تنفيذا لنصيب في إستراتيجة إعادة ترتيب المشهد السياسي في منطقة الشرق الأوسط تحديدا.

وقد برزت التحديات وظهرت التناقضات بشكل أكثر وضوحا بعد موجة الربيع  الديمقراطي، من خلال دعم تركيا للشعوب العربية التي ثارت ضد حكامها، ورفضها المتواصل للانقلاب العسكري الذي عرفته مصر سنة 2013، وصمودها في الموقف المبدئي الرافض لنظام بشار الأسد وإسنادها للشعب السوري على الرغم من التكلفة المالية والاجتماعية الباهضة، أو استمرار دعمها للشعب الفلسطيني في حقوقه، وهذا راجع إلى أن تركيا الحكومة التركية إثر اندلاع ثورات الربيع العربي ارتأت أن تحقيق الاستقرار في الظروف الراهنة غير ممكن إلا من خلال دعم الإصلاحات الديمقراطية. يتم هذا بموازاة مع استمرار ترسيخ الخيار الديمقراطي داخليا؛ وهو ما عبرت عنه الاستحقاقات الانتخابية التي عرفتها البلاد سواء الرئاسية أو البلدية أو التشريعية خلال السنوات القليلة الماضية، استحقاقات انتخابية ومكاسب اقتصادية بالتبع، مكنت تركيا من ربح مساحات إضافية داخل رقعة النفوذ الدولي، ما كان معه طبيعيا جدا أن تزداد حدة خنق الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ضد أردوغان وحزبه وكل الدولة التركية.

في هذا السياق ينبغي فهم المحاولة الانقلابية الفاشلة التي عرفتها تركيا ليلة الجمعة 16 يوليوز 2016، في سياق؛ عززته شواهد كثيرة منها؛

  • تلكؤ الولايات المتحدة من التعبير الصريح من محاولة الانقلاب فور الإعلان عن بدايتها، والاكتفاء بتصريح ملتبس لوزير خارجيتها جون كيري بقوله: إن الولايات المتحدة تتمنى الاستمرارية للحكومة المنتخبة، بما تستبطنه كلمتا "تتمنى" و"الاستمرارية" من دعم ضمني للعملية أو على الأقل وقوف موقف المتفرج المتردد في انتظار حسم السيناريو لصالح الانقلاب.
  • الاعتداد بأية مواقف من الانقلاب الفاشل في تركيا، إلا ما كان في بدايته ولحظة التفاعل معه، أي قبل حسم المحاولة لصالح المؤسسات المنتخبة صاحبة الشرعية في ممارسة السلطة، وهنا نسجل مواقف دول قليلة منها قطر والمغرب اللتان أعلنتا على الفور رفضهما للانقلاب ودعوتهما إلى الحفاظ على الشرعية والاستقرار بتركيا.

ثانيا: ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا

يمكن إذن القول بأن تركيا نجحت في صد عدوان حقيقي استهدف ديمقراطيتها ومواقفها من الظلم والاستبداد العالميين، نجاح سيكون له ما بعده داخليا وخارجيا، وهو ما يمكن رصده على النحو الآتي:

  1. داخليا

فمن المؤكد أن الجبهة الوطنية ستزداد توحدا خاصة مع مواقف المعارضة السياسية الرافضة للانقلاب، وأن الانسجام والاتفاق من أجل المصلحة التركية سيتقوى بين مختلف مؤسسات الدولة خاصة المؤسسات التي تمثل الإرادة الشعبية ومؤسسة الجيش، ثم ستكون الفرصة أمام الرئيس طيب أردوغان لمواصلة تصفية من يعتبرهم خصوما له خاصة جماعة الخدمة، وسيجد الفرصة مواتية لفضح اختراق أعضائها والمشتغلين لصالحها في مؤسسات الدولة، وطردهم منها عن طريق المحاكمة.

  1. خارجيا

فشل الانقلاب في تركيا سيُربك حسابات خصومها، وسيُبطئ في أسوأ الحالات تنزيل مخطط التمكين لإيران في بعض مناطق الصراع، وفق تقسيم ترعاه أمريكا لمحاصرة المد الديمقراطي الذي يتصدره الفاعل الإسلامي بعد الربيع العربي الديمقراطي، وسيربك أيضا تقارب وتنسيق النظام المصري مع إسرائيل الخادم للتقسيم المشار إليه.

خاتمة

ثمة أمل كبير في أن ينعش فشل الانقلاب في تركيا، ويحفز آمال الشعوب العربية في مواصلة معركتها ضد أنظمة الاستبداد، واستئناف محاولات الانعتاق بطرق سلمية، خاصة بتأمل الدور الكبير والمفصلي الذي لعبه الشعب التركي ونخبه الطلائعية في إفشال الانقلاب، وإبطال مفعول تثبيت نظام عسكري كان سيُرجع تركيا إلى الوراء، ويُحبط معنويات من يُتابع بإعجاب مسارها الديمقراطي والتنموي.

 إعداد حسن حمورو