الأربعاء, 26 تشرين1/أكتوير 2016

تقدير موقف: مسارات ملف الأمازيغية في المغرب بعد الاعتراف الرسمي

تقدير موقف: مسارات ملف الأمازيغية في المغرب بعد الاعتراف الرسمي

شهد ملف الأمازيغية في المغرب خلال السنوات القليلة الماضية تحولات إيجابية عدة  لفائدة اللغة والثقافة الأمازيغيتين، وفي اتجاه الاعتراف القانوني بالأمازيغية لغة وثقافة. ورغم التعثر الذي يمكن أن يلاحظ على كثير من المبادرات في هذا الباب، فإن مسلسل النهوض بالأمازيغية في بلدنا تسارع بشكل جدي منذ الخطاب الملكي في أجدير يوم 17 أكتوبر 2001، والذي شكل نقطة تحول في مصالحة الدولة المغربية مع جزء من تاريخ وثقافة المغرب، وجزء من هوية الشعب المغربي. فقد أعطى الخطاب إشارات قوية على حدوث انعطافة كبيرة في الخطاب الرسمي تجاه الأمازيغية، بحيث جاء في الخطاب الملكي: "ولأن الأمازيغية مُكوّن أساسي للثقافة الوطنية، وتراث ثقافي زاخر، شاهد على حضورها في كلّ معالم التاريخ والحضارة المغربية؛ فإننا نولي النهوض بها عناية خاصة في إنجاز مشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي، القائم على تأكيد الاعتبار للشخصية الوطنية ورموزها اللغوية والثقافية والحضارية".  فتوالت بعد هذا الخطاب العديد من القرارات والمبادرات الرسمية. وقد كان إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية أولى هذه الخطوات، والذي عهد إليه الحفاظ على الأمازيغية والنهوض بها وتعزيز مكانتها في المجال التربوي والاجتماعي والثقافي والإعلامي الوطني.

حماية قانونية في انتظار سياسات عمومية

 لقد توج هذا المسار والنضال الطويل لإنصاف الأمازيغية بالاعتراف الرسمي والحماية القانونية للأمازيغية، واعتبار هذه الأخيرة لغة رسمية إلى جانب أختها العربية في دستور 2011. فقد جاء في الفصل الخامس من الدستور: "تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة، بدون استثناء. يحدد قانون تنظيمي مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية، وذلك لكي تتمكن من القيام مستقبلا بوظيفتها، بصفتها لغة رسمية". ولأنه لا يمكن تدبير ملف الأمازيغية بمعزل عن باقي مكونات الهوية والثقافة المغربية، فقد استحدث الدستور مؤسسة دستورية خاصة بتدبير ملف اللغات والثقافة المغربية، بحيث نص الفصل الخامس من الباب الأول من الدستور على ما يلي: "يُحدَث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية، مهمته، على وجه الخصوص، حماية وتنمية اللغات العربية و الأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية، تراثا أصيلا وإبداعا معاصرا. ويضم كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات. ويحدد قانون تنظيمي صلاحياته وتركيبَته وكيفيات سيره".

ولأن الدستور في الفصل 86 ألزم الحكومة المنتهية ولايتها بإخراج القانونين إلى حيز الوجود قبل نهاية الولاية التشريعية السابقة (2011-2016)، فقد أدرجت القانونين ضمن مخططها التشريعي الذي أفرجت عنه في يناير 2013. ورغم التزام الحكومة في مخططها بإعطاء الأولوية في مسطرة الإعداد والدراسة والمصادقة للنصوص التأسيسية المتعلقة بتفعيل أحكام الدستور، فإنها لم تستطع إدراج القانونين في مسطرة المصادقة إلا خلال الأيام القليلة الماضية؛ حيث لم يصادق المجلس الحكومي على مشروع القانون الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وقانون المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية إلا في المجلس الحكومي الذي انعقد يوم 3 غشت 2016. ولم يتم تمريرهما إلا في آخر مجلس وزاري خلال الولاية الحكومية يوم 26 شتنبر 2016. ما يعني أن المصادقة عليهما لم يتم إلا في الأيام الأخيرة من عمر الحكومة، وفي غمرة انشغال الرأي العام والطبقة السياسية والحكومة باستحقاقات 7 أكتوبر. وقد حرم ذلك القانونين من المواكبة الكافية من قبل الرأي العام.

بطء حكومي ومواقف رافضة

 لقد عزت الحكومة التأخر في إخراج القانونين إلى ضرورة أخذ رأي المؤسسة الملكية قبل أي خطوة تدشنها في هذا الباب، الأمر الذي لم يقنع العديد من المتتبعين، خصوصا وأن الحكومة كانت تعرف مسبقا أن ملف القانونين سيتم تدبيره بالتشاور مع المؤسسة الملكية. بل أخذت على نفسها في مخططها التشريعي أن تعد جميع القوانين التنظيمية بالتشاور بين الديوان الملكي والحكومة، مستندة في ذلك على الفصل 42 من الدستور الذي يقرر عرض القوانين التنظيمية على المجلس الوزاري. وبسبب هذا التأخر، ونتيجة لاختيارات الحكومة على مستوى منهجية الإعداد والدراسة والمصادقة على مشروع القانونين، وكذا بسبب بعض المقتضيات التي جاءت في النصين، برزت عدد من الأصوات الرافضة للقانونين. بحيث لم يكن مستغربا أن تعبر جل الجمعيات والمكونات الأمازيغية عن رفضها للمنهجية التي اتبعت في تكوين اللجنة المكلفة بإعداد القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وبالتالي رفضت المشاورات التي فتحتها تلك اللجنة. فقد أصدرت عدد من الهيئات الأمازيغية يوم 18 نونبر 2015 بيانا شديد اللهجة بمجرد الإعلان عن تكوين اللجنة، عبرت فيه عن "رفض منهجية ومقاربة اشتغال وزارة الثقافة والحكومة في موضوع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، بما في ذلك اللجنة المنوط بها وضع تصور القانون المذكور والنتائج التي ستسفر عنها"، كما هددت بالتصدي "لكل القرارات والإجراءات الانفرادية للدولة، التي تستقوي فيها بخصوم الأمازيغية والتعدد اللغوي والتنوع الثقافي وأعداء الديموقراطية". ورغم عضوية عدد من الوجوه البارزة للتيار الأمازيغي في تلك اللجنة فإن مشروع القانون الذي أعدته تلك اللجنة، وصادقت عليه الحكومة في اجتماعها ليوم 3 غشت 2016، تعرض بدوره لسيل من الانتقادات من قبل الجمعيات المهتمة وعدد من وجوه التيار الأمازيغي.

وبنفس الروح رفضت المنهجية التي لجأت إليها رئاسة الحكومة من أجل إعداد القانون الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، حيث أصدر "الائتلاف المدني الأمازيغي" بيانا بمناسبة إعلان رئاسة الحكومة الشروع في تلقي مذكرات جمعيات المجتمع المدني بشأن القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في الحياة العامة. بحيث انتقد البيان التأخر في إعداد وتنزيل القانون، مما ينم -حسب أصحاب البيان- عن وفاء الحكومة لنهجها التحكمي البعيد عن أي مقاربة تشاركية حقيقية كفيلة بتحقيق الإنصاف الفعلي للأمازيغية. كما انتقد البيان "الضبابية التي تحيط بالمبادرة وغموض المنهجية والآلية الموكول لها عملية الإشراف والتدبير لعمليات المشاورات مع المجتمع المدني والمهتمين والفاعلين، مع غياب أدنى الضمانات والشروط الكفيلة لإصدار قانون تنظيمي يكون مدخلا حقيقيا للتصالح ورد الاعتبار للأمازيغية". وبلغة متوعدة شدد أصحاب البيان، على تحميل الدولة مسؤولية ما يجري، ونبهوا إلى العواقب الوخيمة لاستمرار الاستهتار بالملف الأمازيغي والقوانين ذات الصلة. كما أكدوا استعدادهم لانتهاج كل الأساليب المشروعة للدفاع عن قضيتهم حتى تحقيق  الإنصاف الفعلي والعادل للأمازيغية. وبعد مصادقة الحكومة على مشروع القانون نال سيلا من الانتقادات من نفس الأطراف السابقة؛ حيث عبرت "الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة" –أزطـّـا أمازيـغ- عن رفضها لمشروع القانون رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بحيث عبرت الشبكة في بيانها الذي أصدرته  يوم 29 يوليوز 2016 عن رفضها للنص "لكونه لا يترجم رؤية إستراتيجية من طرف الدولة تجاه الأمازيغية، ولا يعبر عن أفق سياسي إيجابي تجاه تفعيل مضامين الفصل 5 من الدستور، كما أنه، وبصيغته الحالية، يروم أكثر إلى تكريس الوضع القائم ورهن مستقبل الأمازيغية بإجراءات رمزية غير ملزمة، وبأجندة زمنية مرتبكة".

مسارات للاشتغال المستقبلي

وانطلاقا من تحليل المسار الذي قطعه ملف الأمازيغية بعد دستور 2011 وتحقيق الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية، وبناء على تتبع وتقييم مواقف مختلف الفاعلين في الميدان، فإنه يمكننا أن نؤكد على أولوية المسارات الأساسية الآتية:

  • إذا كان الاعتراف الرسمي بالأمازيغية يبقى خطوة جريئة وإيجابية على درب التمكين للغة والثقافة الأمازيغيتين، فإن التحدي الحقيقي الذي سيواجه تلك الخطوة هو تنزيلها على أرض الواقع من خلال سياسات عمومية حقيقية وواقعية. فإذا كان تنصيص الدستور على رسمية اللغة الأمازيغية وضرورة النهوض بها يشكل تحولا كبيرا في مقاربة المغرب الرسمي لملف الأمازيغية، فإن التنصيص القانوني - رغم أهميته في توفير الحماية القانونية للغة الأمازيغية- لا يكفي في تحقيق التحول المنشود وإحقاق الإنصاف لها ما لم تترجمه إجراءات عملية، وسياسات عمومية، وإستراتيجية مندمجة، وبرامج حكومية؛ بآجال زمنية معقولة، وإمكانيات مادية كافية. فالمرحلة المقبلة تتطلب بذل الجهد الأقصى في سبيل إعداد برامج فعالة في مختلف جوانب الحياة العامة؛ خصوصا في مجالات التعليم والبحث العلمي والإدارة والقضاء والإعلام والثقافة وغيرها من القطاعات الإستراتيجية. كما يجب الحرص على توفير شروط النجاح الحقيقي لتلك البرامج حتى لا تكرر تجربة إدماج الأمازيغية في مجال التعليم، التي مازالت لعنة الفشل تطاردها رغم مرور أكثر من عقد على إطلاقها. إن كل ذلك يجب أن يكون من المسارات الأساسية في المراحل المقبلة، وذلك بقصد تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية من جهة، وإدماجها في الحياة العامة من جهة أخرى؛ أي توفير الحماية من جهة أولى، وتنميتها في جهة ثانية.
  • ضرورة فتح المجال أما مزيد من النقاش العمومي حول القانونين خلال مسطرة المصادقة عليهما داخل البرلمان وذلك بهدف التجويد والتطوير، ومن أجل تدارك نقط الضعف فيها، وتوضيح مناطق الظل داخلها، خصوصا أن القانون الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية لم يلتفت ولم يحسم في بعض القضايا؛ خاصة ما يتعلق بموقع الأمازيغية وتعبيراتها المحلية في مجال التأطير الديني للمواطنين، وقضية حرف كتابة الأمازيغية الذي لم يشر إليها القانون لا من قريب ولا من بعيد، وكذا إشكالية الأسماء الأمازيغية التي ما زالت مبعث توترات في عدة مناسبات بين المواطنين والإدارة أثناء تسجيل المواليد الجدد.
  • ضرورة توفير شروط ملائمة لتعبئة وطنية من أجل إنجاح مسلسل تنزيل رسمية الأمازيغية على أرض الواقع بالنظر إلى أن ذلك من مسؤولية الجميع؛ دولة من خلال مؤسساتها، ومجتمعا من خلال مؤسساته، وباعتبار الأمازيغية ملك لجميع المغاربة بدون استثناء، وذلك بقصد إنجاح مقتضى الدسترة، ولتجنيب البلد مخاطر تحول خطاب بعض الفاعلين في الحقل الأمازيغي من العمل الثقافي والحقوقي والنضال السياسي المعتدل إلى نزعة قومية متطرفة تعيد تعريف القضية الأمازيغية من منظور قومي وعرقي متعصب؛ يقارب القضية الأمازيغية باعتبارها في "حرب وجودية مع العربية ومع عرق عربي أجنبي وافد على البلد"، الأمر الذي يهدد اللحمة الاجتماعية والثقافية للبلد.

 أعدّه: الباحث عمر مزواضي

لتحميل الورقة يرجى الضغط هنا

 

الورقة لاتعبر بالضرورة عن رأي المركز