الخميس, 09 آذار/مارس 2017

تقدير موقف: قراءة في المسار والتبعات السياسية لانضمام المغرب للاتحاد الإفريقي

تقدير موقف: قراءة في المسار والتبعات السياسية لانضمام المغرب للاتحاد الإفريقي

 

ملخص:

"حانت لحظة الفراق"، كانت تلك الكلمات التي تليت في رسالة وداع الراحل الحسن الثاني طيب اله ثراه إلى الدول الأعضاء في منظمة الوحدة الإفريقية بعد قبول "الجمهورية العربية الصحراوية" عضوا فيها تخرج بتثاقل كبير وبشك وريب في مستقبل العلاقات المغربية الإفريقية، ولم يتم تلطيف هذا الاحتقان اللفظي إلا بأمل ينم عن بعد نظر الملك الراحل، حيث جعل المغرب في خدمة إفريقيا من داخل منظمات وجهات أخرى غير منظمة الوحدة الإفريقية، وكيفما كان المنبر الذي يمكن أن يستعمله المغرب لذلك. وربما كان الأمر عسيرا على المغرب الذي كان يمر بأوقات عصيبة على المستويين الداخلي، حيث كان قد دخل في برنامج التقويم الهيكلي، أو المستوى الخارجي حيث كانت قوى الاشتراكية تعمل بجهد كبير قصد تقزيم مجاله الجغرافي، وربما تغيير نظامه السياسي الذي كان يتعرض لأشكال متعددة من الدعاية المضادة.

لقد كانت استراتيجية المغرب قائمة على تحييد المخطط الإفريقي الذي كان يستهدف إقامة استفتاء يخدم مصالح الانفصاليين، فقد كانت التحرشات الأولى بالمغرب قد بدأت مع أول الرصاصات التي أطلقتها جبهة البوليساريو، فسارعت، بدعم كبير آنذاك من جزائر بومدين وليبيا وعدد من الدول الاشتراكية، إلى تكريس مشروعيتها من خلال استصدار توصية من لجنة التحرير التابعة للمنظمة في مابوتو في موزنبيق باعتبارها جبهة تحرير إفريقية، كما عملت الجزائر على إقحام وفد من البوليساريو في مؤتمر المنظمة بالغابون سنة بعد ذلك، حيث تقرر مناقشة القضية في الدورة الموالية، وهو الشيء الذي لم يتحقق لضعف السند القانوني رغم المحاولات المتكررة. ستعمل الجبهة والجزائر بعد ذلك على زيادة الضغط على المغرب ابتداء من مؤتمر الخرطوم سنة 1978 حيث تشكلت لجنة للحكماء لدراسة المشكل وسبل الحل. وقد تبدت للمغرب النية المبيتة لتقسيمه من خلال التقرير الذي رفع من اللجنة المتفرعة عن لجنة الحكماء التي قدمت لمؤتمر القمة في منروفيا سنة 1979.

إن هذا المسار المسارع الذي فرضته الجزائر والقوى الإفريقية الاشتراكية آنذاك على المغرب عجل برد فعل الملك الراحل الحسن الثاني بقبول فكرة الاستفتاء في قمة نيروبي سنة 1981، ويعد ذلك عملا استراتيجيا لوقف مخطط انضمام ما يسمى الجمهورية الصحراوية إلى المنظمة الذي كانت تخطط له الجزائر منذ بداية المواجهات العسكرية سنة 1975، لكن كان انضمام الجمهورية المزعومة للمنظمة مجالا لحركة أكبر للمغرب، حيث اعتبر أعمال اللجنة الإفريقية للتحضير للاستفتاء ووقف إطلاق النار مسألة متجاوزة، ناهيك عن عدم حياد المنظمة بقبولها طرفا كدولة ثم السعي للاستفتاء.

لقد عاش المغرب في عزلة سياسية في علاقته مع المنظمة التي تحولت سنة 200 إلى الاتحاد الإفريقي لكن مسارات الهيمنة الداخلية لم تبرح محاور نافدة فيها تتمثل أساسا في محور الجزائر أبوجا فريتاون، وهو ما صعب مهام المغرب في علاقته بها خاصة على مستوى قضية الوحدة الترابية حيث استعملت المنظمة بشكل كبير لمعاكسة الحقوق الثابتة له في الأمم المتحدة، لكن المغرب في نفس الوقت سعى إلى تطوير وتعزيز علاقاته مع عدد من الدول الإفريقية على المستوى الثنائي، بداية بالمحاور التقليدية المتمركزة أساسا في دول غرب إفريقيا الفركفونية ثم منها إلى وسط وشرق القارة. أو المستوى المتعدد الأطراف خارج منظومة الاتحاد الإفريقي قريبا من التوجهات الاقتصادية الاندماجية الإفريقية.

لقد جاءت عبارات جلالة الملك في خطابه أمام مؤتمر القمة في أديس أبابا عقب رجوعه إلى المنظمة في 31 من شهر يناير 2017 مستعيدة الجوانب العاطفية التي رافقت خروج المغرب من المنظمة بطريقة أهانت الشرعية ومشروعية والغايات التي أوجدت من أجلها، وهذا ما عبر عنه الملك بقوله : "كم هو جميل هذا اليوم الذي أعود فيه إلى البيت بعد طول غياب، اليوم الذي أحمل فيه قلبي ومشاعري للمكان الذي أحبه..."، وهذا كله دلالة عن الفرح بالعودة بطريقة وجدانية، لكن أيضا بطريقة واقعية فيها الكثير من التحدي للخصوم الذي حاولوا عرقلة هذه العودة، حيث أن إفريقيا اليوم هي ورش كبير للتنمية ومجال خصب للتعاون الاقتصادي، وهو ما جعل عودة المغرب ليست فقط تحديا بل مسارا وخريطة للبناء المستقبلي.

إن قراءة العوامل التي ساهمت في تعزيز قرار العودة وكذا تتبع الخيارات التي يمكن أن تكون مفتوحة أمام دخول المغرب إلى المنظمة استراتيجيا وحضاريا وما يرافق ذلك من تحديات سياسية تعتبر ذات أهمية في قراءة هذه العودة من وجهة مستقبلية استشرافية بعيدا عن السرد التاريخي أو التحليل الوصفي.

بذلك يمكن أن يكون الإشكال الرئيس في تحديد وضع المغرب الجديد في إفريقيا استراتيجيا بناء على مقاربة شاملة تستهدف تحديد الجوانب المؤثرة في أوضاع القوة والضعف في هذه الاستراتيجية، وذلك بناء على رؤية تشمل جانبين؛ الأول هو فهم دواعي العرقلة التي وضعت أمام رجوعه، والتحديات القانونية والعملية داخل الفضاء المؤسساتي للاتحاد، والثاني العلاقة بين وجود المغرب واستمرار وجود ما يسمى بالجمهورية الصحراوية في نفس المنظمة هل يمكن ترقب مداه؟

 

لتحميل الورقة يرجى الضغط هنا