الأربعاء, 02 آب/أغسطس 2017

السياسة أو الثورة، يجب الاختيار صحيفة الإنسانية الفرنسية 4 ماي 2006

السياسة أو الثورة، يجب الاختيار  صحيفة الإنسانية الفرنسية 4 ماي 2006

 

برينو لاتور[1]

ترجمة الحسن مصباح

تقديم المترجم: هذه المقالة رغم أنها موجهة للشيوعيين، فإنها تهم عموم العاملين في الحقل الإصلاحي. فهي تناقش مسألة عادة ما تطرح تحت صيغة الإصلاح أو الثورة. والكاتب يبين هنا كيف أن مفهوم الثورة غير عملي، ويدعو إلى تبني العمل السياسي بمعناه الإصلاحي عبر إعادة تشكيل المشترك الجمعي والاشتغال عليه باستمرار.

الفكرة بسيطة جدا، وهي ليست من دون أهمية بالنسبة للذين يريدون الانتقال من الشيوعية إلى تشكيل العالم المشترك. فمفهوم الثورة قادم من علم الفلك[2]، وانتقل إلى تاريخ العلوم لوصف القطيعة الكبرى، مثلا، بين الخيمياء والكيمياء، ووجد نفسه أخيرا في السياسة[3]. وقد تم استعماله لوصف الاضطرابات التي عرفها الجسم السياسي منذ الثورة البريطانية والأمريكية، وإلى حد ما الثورة الفرنسية. فهو إذن مصطلح ينتمي للقرن الثامن عشر، لوصف الاختراع المؤلم للحكومة التمثيلية؛ وهذه هي الطريقة التي لا تزال تستخدم إلى يومنا هذا للحديث عن الثورة في كييف[4] أو مينسك[5].

المشكلة هي أنه في القرن التاسع عشر، تم اختراع مفهوم آخر من غير مفهوم الجسم السياسي: الفكرة العظمى للمجتمع، أي النسق الاجتماعي، الذي اندمج في فرنسا مع فكرة الدولة، والتي هي في حد ذاتها وريثة للمَلِك، وقبل ذلك بكثير هي وريثة للكنيسة. وإذن فهذا المجتمع يمتلك خصوصية من حيث كونه اختُرِع على وجه التحديد لتجاوز فكرة التشكل السياسي "composition politique": فالمجتمع دائما سابق، وهو يفيض علينا من كل جانب؛ وهو أيضا يشكل كتلة، ويحدد تصرفاتنا. الميزة الكبرى لمفهوم المجتمع، على سبيل المثال عند أوغست كونت ودوركهايم هو أنه مشكل من قبل، وهو الذي يفسر سلوك جميع أعضائه. فهو يغني إذن عن كل ثورة. وهنا حيث ستتعقد الأمور لتنتهي بشكل مأساوي: فتقدميو القرن التاسع عشر سيستعيدون فكرة الثورة التي كانت تطبق إلى ذلك الحين بنوع من النجاح لوصف عملية تخريب الجسم السياسي، لتوظيفها من أجل "قلب المجتمع"، هذا المجتمع الذي تم تصميمه خصيصا لدفع الثمن السياسي لتشكله! الفشل كان حتميا: فمقاومة النسق الاجتماعي نفسه لكل تغيير بدت وكأنها تدعو لقلبه بقوة أكثر. وهكذا تم اختراع ما سماه برنار ياك "Bernard Yack" بالثورة الشاملة[6]. لا يمكن أن نغير شيئا ما لم نغير كل شيء. والنتيجة غير المنتظرة: إذن لا يمكن أن نغير شيئا... وأولئك الذين حاولوا رغم ذلك، دفعوا من خيبة الأمل ثمنا مرا يعلمه جيدا قراء هذه الصحيفة. ليس هناك ما يثير الدهشة في كون مفهوم وضع أصلا لتجنب السياسة أن يمنع من استئناف هذه السياسة. فالعكس هو الذي يجب أن يثير الاستغراب. والشيء نفسه حدث مع البيئيين الذين حاولوا استعادة مفهوم الطبيعة، أيضا، لتجاوز التشكل السياسي، والتي للأسباب نفسها فشلوا[7]. لا داعي لأن نعيد مضغ الماضي: لندع مصطلح الثورة للقرن الثامن عشر، ومفهوم المجتمع للقرن التاسع عشر ومفهوم الطبيعة للقرن العشرين، لنهتم بهذا الشكل الثالث للوجود المشترك الذي أسميه "المشترك الجمعي" "collectif" (أنا أبسط كما هو واضح). ولكن الفارق كبير بين مفهوم المشترك الجمعي والمجتمع. فالمشترك الجمعي لم يكن سابقا على الأفراد، ولا يشكل نسقا، ولا يفسر سلوكاتنا، ولا يحدد مقدما مواقفنا وتحالفاتنا. فهو يفرض علينا أن نأخذ بعين الاعتبار عدم اليقين، والتركيبات الجديدة وخاصة الترابطات المدهشة بين ما أسميه البشري وغير البشري. ولكن خصوصا، وأن المشترك الجمعي ليس هو الدولة وليس هو السوق- كما أنه ليس موجودا من قبل، فيجب علينا إيجاده، وإذن وجب علينا تشكيله. ويمكن أن نحدث ثورة في الجسم السياسي، من أجل ابتكار أشكال مرقعة نوعا ما لحكومات تمثيلية، لكن لا يمكن أن نحدث ثورة في المجتمع الذي صنع أصلا من أجل تدعيم المناعة ضد أي ثورة شاملة؛ ما يجب علينا فعله هو إعادة تشكيل المشترك الجمعي وذلك بشكل جذري وباستمرار. ولكن بشرط احترام أمر بسيط: أن نقوم بالسياسة من جديد! ولكن سيقال لنا أن هذا تحصيل حاصل، فالسياسة موجودة من قبل؟ وهذا غير صحيح، لأن العالم المشترك كان مشكلا بالفعل، ونحن نعرف نوعا ما مما هو مشكل، وإلى أين يسير. ويمكننا اتخاذ مواقف تبدو ظاهريا سياسية، بل جذرية سياسيا، ولكنها في حقيقة الأمر مثل المشروب الأمريكي المسمى "كندا دراي" "Canada Dry" الذي يشبه الكحول في لونه لكنه، ليس بمشروب كحولي. وهذا ما عبر بتعبير أدق جون ديوي[8]: إن ممارسة السياسة هي أكثر تطلبا وأكثر راديكالية من "القيام بالثورة"، لأنه سيكون عليك تشكيل جمهور، فالشأن العام لا وجود له حتى الآن.

أيها الشيوعيين، أنتم مطالبون بتعلم تشكيل العالم المشترك!

الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  "Bruno Latour" (1947-): عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي. عرف أساسا بأبحاثه في علم اجتماع العلوم. نال جائزة هولبرغ الدولية التي توازي في العلوم الاجتماعية جائزة نوبل سنة 2013.

[2]  "révolution" تعني في علم الفلك طواف جرم سماوي في مدار.

[3] Rey, A. (1989). « Révolution » histoire d’un mot. Paris : Gallimard.

[4] الكاتب هنا يشير إلى المظاهرات التي عرفتها أساسا العاصمة الأوكرانية كييف، ابتداء من أواخر نوفمبر 2004 حتى يناير 2005، في أعقاب جولة إعادة التصويت على الانتخابات الرئاسية الأوكرانية 2004 والتي ادعي أنها شابها الفساد بشكل واسع، وترهيب الناخبين، والفساد الانتخابي المباشر. وقد أطلق على هذه المظاهرات اسم الثورة البرتقالية.

[5] الإشارة إلى ما سمي بالثورة الزرقاء التي أجهضت سنة 2005 في مينسك عاصمة روسيا البيضاء.

[6] Yack, B. (1992). The Longing for Total Revolution : Philosophic Sources of Social Discontent from Rousseau to Marx and Nietzsche. Berkeley : University of California Press.

[7] Latour, B. (1999). Politiques de la nature. Comment faire entrer les sciences en démocratie. Paris : La Découverte.

[8] Dewey, J. (2003). Le public et ses problèmes Traduit de l’anglais et préfacé par Joelle Zask. Pau : Publications de l’Université de Pau/Léo Scheer.