الإثنين, 21 آب/أغسطس 2017

الانتخابات التشريعية السنغالية 2017: قراءة في التحولات والمكاسب

الانتخابات التشريعية السنغالية 2017: قراءة في التحولات والمكاسب

 

 

الانتخابات التشريعية السنغالية 2017: قراءة في التحولات والمكاسب.

                                                  الدكتور هارون باه باحث في العلوم السياسية

يتألف البرلمان السنغالي من مجلس واحد بعد إلغاء مجلس الشيوخ مرتين الأولى سنة 2001 والأخيرة 2012 لأسباب اقتصادية، وقد ظل من مكونات الدولة الحديثة منذ الدورة التشريعية الأولى مع إعلان الاستقلال 1960 بـ: 80 نائبا، وكان الحزب الديمقراطي السنغالي أول من اخترق صفوف الاشتراكيين في البرلمان محدثا بذلك تعددا سياسيا في التاريخ النيابي الوطني، ولقب الشهرة  للمؤسسة " الجمعية الوطنية ".

ولا تزال أعداد ممثلي الشعب في ازدياد وسقفها المحدد في التشريعيات القادمة 165 نائبا، ويتم انتخاب النواب لمدة خمس سنوات في اقترع عام مباشر، ويحمل صاحب المنصب لقب "نائب"، وسبق للرئيس الحالي أن كان على رأس البرلمان من سنة 2007 ـ 2008م[1]، وقد أخذ البرلمان حيزا مهما في الدستور بوصفة مؤسسة دستورية قائمة بذاتها، وتعتبر الجمعية التمثيلية إحدى مؤسسات الجمهورية الستة[2]، وقد شارك لأول مرة في هذا الموسم النيابي المرشحون المستقلون وفق بنود الاستفتاء الأخير على الدستور 2016، فماذا عن الانتخابات التشريعية يوم 30/7/2017، وما هو أفقها التشريعي والتمثيلي في الداخل والخارج؟ وأين تقف من التجربة الديمقراطية السنغالية؟

لمقاربة هذا الموضوع كان لابد من استدعاء وقائع تاريخية و نصوص قانونية ورصد للممارسة السياسية في أبعادها المختلفة، قصد الخروج بتحليل مركب يضع القارئ أمام الرهانات السياسية للبلاد.   

تأتي هذه الانتخابات في ظرف لم تتغير فيه ملامح البلاد كثيرا منذ وصول الرئيس الحالي للسلطة 2012 على الرغم من برنامجه السياسي ورؤيته الاستراتيجية من إنشاء مؤسسات محاربة الرشوة والفساد (OFNAC) ووضع المخطط التنموي للسنغال (PSE) ...لكن الواقع لا يزال ناطقا بوجود اختلالات متجذرة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؛ نذكر هنا تفويت النظام السياسي الحاكم احتياطي النفط والغاز السنغالي إلى الأجانب وتجاهل مصلحة الشعب بصورة مجحفة، وهيمنة السلطة التنفيذية على غيرها من السلط، واقتراب موعد الرئاسيات بعد سنة ونصف؛ مما يجعل الاقتراع النيابي 2017 شبيها برئاسيات مسبقة إضافة لتردي أوضاع البلاد الاقتصادية وأزمة العدالة ومنظومة القضاء، و كذا الموت الجماعي بسبب الكوارث و كثرة حوادث السير، وتسريب امتحانات الباكالوريا، وترقب وحذر من هجوم مباغت قد يأتي على حين غرة على أيدي الجماعات المسلحة بمنطقة الساحل والصحراء، والشروع في إصدار بطاقة الهوية الموحدة بين دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (CEDEAO) تعبيرا عن مزيد من الاندماج والتكامل الجهوي، كل ذلك ينعكس على أوضاع البلاد وسياسته الداخلية والخارجية، وفي ظل هذا الضغط الاجتماعي، هل سيكون بمقدور البرلمان أداء دوره الرقابي والتقييمي للحكومة وسياساتها العمومية؟

تتجه وظيفة البرلمان إلى سن القوانين وإصدارها، ومراقبة السياسات العامة للحكومة وتقييمها، لكن الملاحظ جهل غالبية الناخبين بمهام البرلمان تشريعا ورقابة وتقصيا، فيما لا يزال المواطن العادي ينتظر من البرلماني حل مشاكله اليومية، وحسب التقرير البرلماني العالمي: والواقع أن الأدلة تشير في العديد من البلدان إلى تدني مستوى وعي الناخبين للنشاط البرلماني، ذلك أن سن القوانين لم يُعد أهم دور إلا من ربع الناخبين أو أقل، بينما لم تستأثر الرقابة على الحكومة بأكثر من 10 في المائة في أي بلد[3].

فالجمعية التشريعية لا تزال تمارس نشاطها التقليدي و أساسا ما يتعلق بالجانب التشريعي، ولم تحدث بعد أي فارق يذكر إلى يومنا هذا في إدارة البلاد وتعزيز المساءلة والرقابة في الشأن العام، قد يفسر ذلك بقصور النخب البرلمانية عن القيام بواجبها وبما كان عليه الوضع بعد الاستقلال من هيمنة طيف سياسي وحيد على مقاليد الحكم.

            على أن تمثيل الشعب والحفاظ على مصالحه لا ينبغي أن يقتصر على ما هو مادي فحسب بل يمتد ليشمل القيم والمثل والثقافات وكل ما له صله بتراث الأمه في الحكم والسياسة وبماضيها المجيد،  وتبقى علاقة الشعب بالأمم الأخرى هي الاستفادة من خبراتها وتجاربها الناجحة لا الذوبان فيها والارتماء في أحضانها ومحو شخصيتها بالتقليد الأعمى، كما هو مشاهد في استنساخ الدول الإفريقية للتجارب الغربية شكلا ومضمونا دون الالتفاف لخصوصيتها الثقافية والحضارية، وتَمَثْل زمرة من النواب لحضارات وثقافات أخرى على حساب وجودهم المادي والمعنوي.

في إطار الإصلاح البرلماني والدستوري؛ تطرق التعديل الدستوري الأخير 2016 في محاوره المذكورة لقضايا ذات صلة بممثلي الشعب، منها:

 ـ تمثيل الجالية السنغالية المقيمة بالخارج في البرلمان عبر منتخبيهم.

ـ توسيع صلاحيات الجمعية الوطنية في مجال مراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.

ـ اقتراح رئيس الجمعية الوطنية لعضوين من الأعضاء السبعة في المجلس الدستوري.

كانت هذه التعديلات عنوانا على التغيير المرتقب في المؤسسة النيابية القادمة عبر تنزيل مقتضيات دستور 2016، وهو ما تم تحديده في الانتخابات التشريعية 30 يوليوز 2017م.

أما عن إجراء الانتخابات فهو من اختصاص الإدارة العامة للانتخابات، وهي الهيئة المسؤولة عن تنظيم والإشراف على المسلسل الانتخابي وكل ما يتصل به تحت إشراف الوزارة الداخلية، وتتولى الهيئة تطبيق قانون الانتخاب والإجراءات المعمول بها من تحديد كيفية التصويت و عدد المكاتب في المقاطعات والأقاليم، وتعود كلمة الفصل في الانتخابات لمجلس الدستور.

وقد تخلل أشغال الإدارة التنظيمية قصورا بينا من عجزها عن توفير البطاقات الوطنية البيومترية للناخبين في الوقت المحدد مع ضخامة الميزانية المخصصة لها، وهي حوالي 52 مليار فرنك فرنسي، وشهدت بعض المكاتب غياب أسماء الناخبين من قوائم التسجيل في عدد من المناطق، وبقاء بعض المكاتب مغلقة إلى ما بعد منتصف النهار مما أدى إلى استياء المواطنين ورأوا في ذلك حرمانا من حقهم في التصويت، وعلى إثر ذلك طالبت بعض الأطراف باستقالة وزير الداخلية الحالي، وإسناد شأن الانتخابات إلى جهة مستقلة ضمانا لحسن سير العمل.

كما تم خرق القانون الجماعي من البروتوكول الإضافي للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا الذي ينص على أنه لا يمكن إحداث تغيير في قواعد اللعبة لأقل من ستة أشهر إلا برضى الأطراف المشاركة، وذلك من خلال استفتاء الرئيس مجلس الدستور في قضايا واضحة بنص القانون لا لبس فيها.

وقد صاحب هذه الانتخابات انتهاكات سافرة للديمقراطية تمثلت في العنف والاعتداء سواء أيام الحملات الانتخابية والدعاية للمرشحين، أو بعدم الالتزام بالمعدات واللوازم التي تمكن المواطن من أداء حقه الانتخابي.

الدورة التشريعية 13 في التاريخ السياسي المعاصر:

عرف المشهد السياسي انفجارا غير معهود من حيث كثرة الأحزاب السياسية بفعل المرونة في تأسيس وتشكيل الأحزاب انطلاقا من ممارسة الحقوق و الحريات الفردية والجماعية التي تعبر عن نفسها بأشكال متعددة ما أوصلها إلى قرابة 300 حزب سياسي، وأحيانا انشطار الأحزاب من داخلها، وكادت اللوائح الحزبية المتنافسة على المقاعد البرلمانية 165 في الداخل والخارج تصل إلى ضعف العدد 47 مقابل :24 مقارنة بالانتخابات التشريعية 2012.

وينتج عن هذا الوضع المتشرذم صعوبة السيطرة على الحقل السياسي، وتبقى الطريقة الوحيدة لرسم السياسات وإدارة الحكم هي التفاهم والحوار الاجتماعي الموسع الذي يستوعب الجميع ويبني على المكاسب المحققة.

لكن ذلك لم يمنع من أن الأحزاب التقليدية لا زالت تحصد أصوات الناخبين، فأقوى التكتلات ليست سوى بقايا الحزب الاشتراكي والحزب الليبرالي، ويأتي في صدارة الإئتلافات: الائتلاف الحاكم، وتحالف المعارضة المنقسم برئاسة عبد الله واد الليبرالي و بقيادة خليفة صال عمدة داكار الاشتراكي.

ومما ساعد الحزبان الاشتراكي والليبرالي على تمددهما وانتشار شعبيتهما في ربوع البلاد وصولهما إلى السلطة وبقائهما بها سنين عددا، والغالب في إفريقيا أن أي حزب حاكم يكون بإمكانه فرض ذاته على الشعب بما يمتلكه من وسائل التغلغل والتأثير، فيما تحرم الأحزاب الفتية من تلك الفرصة بسبب قلة الامكانيات و العجز عن تغطية كافة البلاد ببرامجها وفعالياتها السياسية.

ولاختفاء الأحزاب العتيدة التي لا تقهر من الواقع السياسي الإفريقي بعد حقبة الحرب الباردة؛ لم يعد بإمكان أي طرف مهما كانت قوته اكتساح المشهد السياسي بمفرده، وللتعامل مع هذا المتغير لجأت الطبقة السياسية إلى بناء تحالفات وائتلافات من أجل تحقيق غايات سياسية، وهو ما بدا في عدد التحالفات السياسية والمدنية بين الفرقاء المشاركين في الانتخابات التشريعية 2017 لتحقيق مآرب سياسية.

وقدرت نسبة المشاركة بـ: 54% من بين الناخبين المسجلين الذين يبلغ عددهم حوالي 6.219.446 مواطن، موزعين على 45 مقاطعة على عدد مكاتب يصل إلى 14000 مكتب، فيما صوت 3310453 ناخب، وهي نسبة مرتفعة إذا قيست بنظيرتها الأخيرة.

 وأُغفل النقاش السياسي هذه المرة المناصفة، وإن ظل المبدأ معمولا به في الغالب على مستوى اللائحة الوطنية والمقاطعات، ولم تستأثر مسألة المناصفة باهتمام المحللين والمراقبين كالعادة، واختار سكان كرو المقاطعة تعبيرا عن استيائهم وسخطهم على الحكومة في عدم تنفيذ وعودها التنموية في بلدتهم بعد أن التزمت بها على لسان مسؤوليها.

و لم يغب دور الطوائف الصوفية والحركات الإسلامية عن الاقتراع النيابي ما بين توجيه وإرشاد وحياد ومساندة ودعم، فقد اختار خليفة الطائفة المريدية أن يقف على قدم المساواة من كل الأتباع سواء كانوا من أنصار الحزب الحاكم أو من المعارضة دون مساندة أو تأييد بعضهم على حساب بعض وشمل الجميع بدعوته، فيما خص خليفة الطائفة التيجانية فرع تيواون الرئيس الحالي ماكي صال بدعوات ومباركة مشيدا بجهوده وأشغاله خلال فترة رئاسته[4].

أما أمير جماعة عباد الرحمن فقد وجه نداء للشعب السنغالي معتبرا أنها كلمة مواطن من منطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم ومضمونها أن:

 - الانتخاب شهادة وتزكية للمرشح ، وعلى الناخب أن يتقى الله تعالى فيمن ينتخبه.

- وجوب مراعاة صفات العلم القوة و الأمانة في المرشحين.

- الولايات من الأمانات وهي تكاليف أكثر مما هي تشريفات.

ـ  وحوب حفظ الحرمات والابتعاد عن الظلم والبغي[5]،مع ختم الكلمة بالدعوات.

العقائد السياسية والتوجهات الفكرية:  

لم يعد خافيا تراجع الإيديولوجيات المؤطرة للعمل السياسي في الدول الإفريقية خصوصا منها المسلمة، فقد تقلص نفوذها بشكل ملحوظ، ويتجلى ذلك في تسمية الأحزاب التي تجنبت الإشارة للبعد الإيديولوجي لها، و في التكتل السياسي الهجين الحاكم الذي يجمع الاشتراكي والليبرالي وغيرهما بقيادة حزب الائتلاف من أجل الجمهورية (َAPR)، مما يفسح المجال أمام ظهور عقائد وتوجهات قيمية لقيادة وترشيد العمل السياسي، وهنا يظهر بجلاء الخطاب الإصلاحي المرتكز على القيم والأخلاق والدعوة لربط السياسة بالمسؤولية، وهو ما قد يفسر احتلال حزب الوحدة والتجمع ذي الخلفية الصوفية المركز الرابع في اقتراع 30/7/ 2017، إلى جانب ما ذكر فإن في الساحة السياسية أحزابا تتبنى مرجعية دينية وإن لم يكن ذلك صريحا في شعاراتها، كحركة الإصلاح من أجل التنمية الاجتماعية (MRDS) وحزب الوحدة والتجمع (PUR) والتجمع الديمقراطي السنغالي (RDS) والتحالف الوطني من أجل العدالة والتضامن (APJS) إلخ...  

بيد أن العمل البرلماني بجميع ألوانه السياسية وأطيافه الفكرية ينبغي أن يتوجه إلى تمكين الشعب من اتخاذ القرار المناسب من خلال نوابه في المؤسسة النيابية، نهوضا بأوضاع البلاد وإشراكا لمختلف شرائح الشعب في الشأن العام، ومن هنا تكون عملية الاختيار مسؤولية أخلاقية ووطنية وسياسية توظف حيث ترجى المصلحة العليا فحسب وليس لأي اعتبار آخر.

لم يعد الشأن البرلماني ببساطته المعهودة التي كان عليها فجر الاستقلال[6] لتعدد الشركاء: محليين وإقليميين ودوليين، ولتغير الأوضاع السياسية في الداخل والخارج، إضافة إلى الدور الخطير الذي يقوم به الإعلام على تعدد أشكاله في المسلسل الانتخابي البرلماني، كل ذلك يجعل من إدارة المؤسسة النيابة عملا صعبا وحساسا للغاية.

فيما رأى بعض المحللين السياسيين أن هذه الانتخابات البرلمانية هي أعقد انتخابات عرفتها البلاد، ويعود ذلك إلى كثرة الأحزاب المشاركة و البقاء إلى آخر المطاف من غير بطاقة وطنية أو بطاقة انتخاب، مما استدعى من الرئيس استشارة المجلس الدستوري في قضايا محسومة قانونا، واستند الرئيس إلى أن بإمكانه اللجوء إلى المجلس الدستوري لاستصدار رأي أو قرار حسب المادة 92 من الدستور علما أن قرارات المجلس الدستوري غير قابلة للطعن، وملزمة لجميع السلطات العمومية والإدارية والقضائية.

وقد رفضت المعارضة هذا القرار باعتباره خرقا سافرا لقواعد اللعبة، فليس من اختصاص المجلس البت في القوانين التي لا لبس فيها ولا غموص مع وضوح نص مدونة الانتخابات في الأمر المرفوع إلى المجلس من أن ممارسة حق التصويت متوقف على وجود بطاقة الهوية و بطاقة الانتخاب، فمهمة المجلس الحكم وليس التشريع، وما قام به خارج عن اختصاصاته، وإقحام للمؤسسة الدستورية في السياسة، وهو ما قد ينذر بصراع مباشر يوم الاقتراع في حال رفض الأحزاب المعارضة الإدلاء بأي وثيقة غير البطاقة الشخصية وبطاقة الانتخاب المنصوص عليهما.

تجدر الإشارة إلى أن كثيرا من المواطنين لا ينظرون إلى المسؤولين بعين الرضى ويتهمونهم بسعيهم وراء مصالحهم الخاصة، وأنهم لا يمثلون سوى أنفسهم والمقربين منهم ومن في معسكرهم، مما يجعل من ممارسة السياسية بابا واسعا لجمع الأموال وكسب الثروات، وهو مؤشر واضح على استشراء الفساد وسبب لكثرة الاختلاسات وانتشار الرشوة في غالبية البلدان الإفريقية[7].

أداء البرلمان للولاية التشريعية الماضية:

ـ تدني السلوك الأخلاقي لدى بعض النواب، وهو ما يظهر أحيانا أثناء التداول في البرلمان من تراشق الكلمات النابية.

ـ عدم التوصل إلى نتائج ملموسة في قضايا يتم أو تم التحقيق حولها.

ـ ضعف المساءلة والمحاسبة للمسؤولين.

ـ توظيف السلطة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية وبقائها أداة طيعة في يد الحكومة لتنفيذ وتمرير سياساتها من دون عناء؛ سيما مع تمتع الائتلاف الحاكم بأغلبية برلمانية.

ـ تراخي الصلة بين الجماهير الشعبية ونوابهم، و انعدام جسور التواصل مع الناخبين ودوائرهم، في حين أن النائب ممثل للشعب، وعليه أن يكون على صلة بمن انتخبوه؛ إما عن طريق التواصل المباشر من خلال مهرجانات تواصلية أو إنشاء مكاتب تكون واسطة أو عبر الوسائط التكنولوجية في زمن البرلمان الرقمي، أشار التقرير العالمي للبرلمان الألكتروني عن عام 2010 إلى أن 85 في المائة من البرلمانات ذكرت أن الاتصال قد زاد نتيجة للتكنولوجيات الجديدة بحيث يستخدم 78 في المائة من البرلمانيين في العالم البريد الألكتروني ويستخدم أكثر من النصف حاليا المواقع الشبكية، وأشار التقرير أيضا إلى أن هذه الممارسة تتأثر وفقا لمستوى دخل كل بلد[8].

على أنه من المكتسبات السياسية في الموسم الانتخابي البرلماني 2017:

ـ الالتزام بالمواعد الانتخابية في الآجال المحددة دون تأخير.

ـ شعور المواطن بأن له تأثيرا على مستقبل البلاد عن طريق الاقتراع.

ـ مركزية الشعب في الشعارات الحزبية بأسماء وأوصاف متعددة.

ـ وعي المواطن رغم مشاركته بأن الأمور ليست على أحسن ما يرام.

ـ الاحتفاظ بالوجه الديمقراطي وحسن السيرة والسلوك الانتخابي على المسرح الدولي، و الاستفادة من امتيازات التصنيف من قبل المؤسسات الدولية والإقليمية.

دلالة نتائج الانتخابات:

تصدر الائتلاف الحاكم الفوز بنتائج اقتراع 30/ 7/2017 بـ 125 مقعدا محتلا الرتبة الأولى، وجاء في المقام الثاني الائتلاف الذي يتزعمه الرئيس السابق واد بـ 19 برلمانيا ثم ائتلاف خليفة صال المسجون على خلفية فساد واختلاس أموال عمومية وفق وجهة نظر الحكومة فيما ترى المعارضة أن ما قامت به السلطات هو مجرد تصفية حسابات سياسية و إقصاء لكل منافس محتمل في الرئاسيات القادمة، بـ 7 نواب، فما أتى حزب الوحدة والتجمع في المركز الرابع بـ 3 مقاعد  متبوعا بائتلاف صوت الشعب الذي يتزعمه عبد الله بالدي كما أفادت وكالة الأنباء السنغالية[9].

وكانت ردة فعل الائتلاف المعارض بقيادة خليفة صال الرفض القاطع للنتائج على مستوى مقاطعة مدينة داكار التي تعطي الفوز للائتلاف الحاكم (BBY)، وينادي هذا الجناح من المعارضة بعدم استجابة المجتمع لتزوير النتائج وتصريحات الحكومة، وعدوا الأمر تراجعا ديمقراطيا.

وعاشت كل من داكار وطوبى توترا وتصعيدا سياسيا وصل أحيانا إلى حد استخدام لغة العنف السياسي، والقاسم المشترك بين المديتين: كونهما معقلا للمعارضة ثم القوة الديمغرافية الموجودة بهما و ما تحظى به العاصمة من رمز سياسي و طوبى من تأييد ديني.

ويذهب إدريس سيك السياسي الليبرالي وعمدة تياس سابقا، عقب الإعلان عن نتائج المقاطعات قبل الإعلان عنها رسميا، إلى حد مقارنة هذا الاقتراع بانتخابات 1988 الكارثية، مع ما شابها من سوء تنظيم حيث صرح بأن الحكومة تريد انتزاع الفوز من أهل داكار وتزوير النتائج، و إقصاء و إضعاف كل منافس في الرئاسيات القادمة، ورأى في ذلك تقهقرا ديمقراطيا ينبغي الوقوف دونه.

لقد قبل الفاعل السياسي بالمشاركة النيابية في وقت لم يكن على أتم الاستعداد، وعليه فالطبقة السياسية مسؤولة عن الوضع الحالي، أما المواطن العادي فلم يتمكن من ممارسة حقه في الديمقراطية المباشرة بسبب سوء اتخاذ القرار وتخلف العوامل الأساسية لإجراء سباق حر ونزيه، فيما لايزال السباق على السلطة والنفوذ في الغالب باعثه تحقيق المصالح الشخصية على حساب المصالح الوطنية، و يبقى الحكم في المسلسل الانتخابي وصاحب الكلمة الأخيرة هو المجلس الدستوري[10].

لقد ظهر في الانتخابات الحالية أن المعارضة منقسمة على ذاتها، ولا زال داء الانشقاق يطارد أعضاءها، ودورها لن يكون بارزا في هذا البرلمان، على الرغم من أن الدستور يعطي للأحزاب المعارضة الحق في المعارضة.

لا تتمتع المعارضة بزعيم قوي يمكن أن ينازل الرئيس الحالي في الاستحقاق الرئاسي 2019م،   فالبرلمان تم اكتساحه من قبل الائتلاف الحاكم وبالموازاة هو من يسير الحكومة، إلا أن الفضاء الأرحب للمعارضة هو ميدان الإعلام بشتى فروعه، وهنا نتساءل كيف يمكن وصف بلد بهذه الصورة بأنه ديمقراطي، في الوقت الذي كان من المنتظر أن يكون هناك توازن بين المؤسسات السياسية و بين الموالاة والمعارضة وبين الأجهزة الحكومية مما يحقق السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي.

يعيد هذا السباق ـ على كثرة الأحزاب المشاركة فيه ـ رسم الخريطة السياسية، بما يبين موازين القوى بين الطبقة السياسية ويضع الأمور في حجمها الطبيعي، ويظهر ذلك أن من بين 47 لائحة فازت 14 فقط منها بالمقاعد التمثيلية على تفاوت بينها من 1 إلى 125 مقعدا، بينما استبعد الثلثان من التنافس ولو على حساب الشهرة السياسية، فهل يمكن القول بناء على التركيبة البرلمانية الجديدة إن هناك جمهورا سياسيا لا يتخلف عن المواعد الانتخابية في البلاد؟ وهنا تأتي مسألة شرعية بعض الأحزاب السياسية ومردودها الاجتماعي ودورها في نشر الثقافة السياسة على المحك.

الفارق بين الأغلبية والمعارضة في التشكيلة البرلمانية كبير، وهو ما قد يفقد الجمعية التشريعية مضمونها النيابي و السياسي تشريعا ورقابة، ويطرح قضية النزاهة والشفافية في سير الانتخابات التشريعية من جديد في مجتمع متعدد الكيانات السياسية؟

من المرتقب في معارك الجولات القادمة حول تدبير الحكم في إفريقيا أن تكون ذات طبيعة دستورية قانونية، وهو ما يأتي بديلا عن الانقلابات العسكرية، وهو ما نلحظه في كثير من الدول الإفريقية مع كل اختيار لحكامها ومسؤوليها الجدد.

الاقتراحات والتوصيات:

ـ في إطار القيام بوظيفة الرقابة؛ فالنائب مطالب بتوظيف صلاحياته الرقابية للحكومة ـ المنصوص عليها دستوريا  ـ سواء عبر الأسئلة أو لجان التقصي مساهمة منه في الحفاظ على الممتلكات العامة للبلاد و ثرواتها من النهب و دعما للاستقرار السياسي والاجتماعي.

ـ تفعيل دور الفرق البرلمانية اللجان الدائمة والمجموعات البرلمانية في مختلف المجالات تحقيقا للمصلحة المشتركة داخليا وخارجيا.

ـ الانفتاح على باقي التجارب البرلمانية بالعالم وتجاوز النهج الفرنسي في إدارة البرلمان، و إحياء التراث السياسي في تداول الشأن العام ومأسسته عند الاقتضاء.

ـ زيادة كفاءة النواب وتعزيز قدراتهم المعرفية والإدارية بما في ذلك المعلوماتية، وفي القضايا التي تهمهم بصفة مباشرة لخدمة مجتمعهم، نظرا للتداخل بين الشأن الوطني والدولي وتشابك المصالح وتهاوي الحدود بين الدول وتقارب الشعوب.

بناء على التكاليف الباهظة في المسلسل الانتخابي ينبغي إعادة النظر في كيفية تمويل الأنشطة السياسية وترشيدها، حتى تكون ذا مردودية وأكثر نفعا على المواطنين وعلى تنميتهم.

تكريس دور الجمعية التمثيلية في الدبلوماسية البرلمانية في عالم يموج بالأحداث والوقائع من خلال: تعزيز موقع السنغال الدبلوماسي ورعاية مصالح الجالية في الخارج والحفاظ على السلم والأمن الدوليين والدفاع عن حقوق المستضعفين والمظلومين ومناصرة القضايا العادلة في أي بقعة من العالم، و ضبط حماس السنغال في التوقيع على الاتفاقيات الدولية التي عرفت بها.

وعلى الرغم من أن السنغال راكمت إرثا غنيا في الانتخابات لكن ليس بمأمون أنها تسير في خط تصاعدي بفعل العثرات التي لازالت تلاحقها وتكشف عن هشاشة تجربتها من قصور في التنظيم وخدوش في النزاهة رغم النظرة التي تحظى بها من الخارج، ما لم توجد هيئات وطنية عادلة ومنصفة للحفاظ على المكتسبات والانجازات السياسية، ومن هنا يفهم مطلب إسناد المسلسل الانتخابي إلى هيئة محايدة مثلما ما حصل في عهد كل من الرئيسين السابقين: عبد جوف وعبد الله واد.

وأخيرا فإن العبرة ببناء الوطن والنهوض به وتلبية حاجات المواطنين، تلك هي الغاية وليس للانتخابات بلدية كانت أو تشريعية أو رئاسية أي قيمة إذا لم تكن وسيلة لخدمة الشعب وتحقيق كرامة الإنسان وتحريره من كل القيود وضمان سيادته، وإعادة تصنيف البلد في التقارير الإقليمية والدولية إلى مواقع أكثر تقدما، فهي أي الانتخابات ليست مرادة لذاتها وإنما هي وسيلة لغيرها، قيمتها مرهونة بتحقيق غايتها.

 

الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 [1] ـ الترتيب التاسع من بين أحد عشر رئيسا.

 [2] ـ إلى جانب رئاسة الجمهورية و الحكومة والمجلس الأعلى للسلطات المحلية والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الدستوري.

 [3] ـ التقرير البرلماني العالمي: طبيعة التمثيل البرلماني المتغيرة، الصادر عن الاتحاد البرلماني الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أبريل 

2012،ص: 61.

[4] Législatives : Al Amine prie pour la victoire de Macky

http://www.seneweb.com/news/Politique/legislatives-al-amine-prie-pour-la-victo_n_223050.html

 [5] ـ يمكن العودة إلى خطاب أمير جماعة عباد الرحمن السنغالية كاملا بمناسبة الانتخابات التشريعية على الرابط التالي:

http://www.jironline.org/accueil2/item/356-2017-07-29-16-04-43

 [6] ـ سيادة لون سياسي وحيد كما كان في أيام الحزب الاشتراكي مع الرئيس سنغور إلى حين ظهور حزب عبد الله واد في 1978.

 [7] ـ مما يتم تداوله أن ثمة أحزابا شاركت لمساندة الرئيس للبقاء في منصبه فقط.

[8] ـ التقرير البرلماني العالمي، مرجع سابق، ص:53.

 [9] ـ لمزيد من التفاصيل حول نتائج الانتخابات التشريعية برسم 2017 يرجى زيارة الرابط التالي: 

http://www.aps.sn/la-une/article/bby-rafle-la-mise-avec-125-deputes-sur-165-officiel

 [10]ـ بناء على عدم مشاركة 41% من الناخبين المسجلين بمدينة طوبى رأى بعض القانونيين ضرورة حكم المجلس الدستوري بإعادة الانتخابات  

على مستوى المدينة حتى يتم تمكين الجميع من ممارسة حقهم في التصويت.