بنكيران والعثماني ونظرية الدوائر الثلاث في الممارسة السياسية المغربية
  • يوسف محمد بناصر
الإثنين, 03 نيسان/أبريل 2017

بنكيران والعثماني ونظرية الدوائر الثلاث في الممارسة السياسية المغربية

تتنازع دوائر النفوذ السياسي في الوطن العربي عدة قوى، هي العشيرة والزاوية والحزب ثم الدولة بأجهزتها، والمشهد المغربي ليس بدعاً مما تعرفه بقية الأقطار الأخرى. ولقد أمست الحركات الإسلامية منذ ظهورها تتقاسم مع الزاوية أدوارها بل بدأت تسحب منها الشرعية وقدرتها، ومن قادة الحركات من أسس لمشروعية خطابه من داخل الزاوية. ومن الأحزاب السياسية ما استند إلى العشيرة والقبيلة ليبني تجربته على أساس النزعة العصبية واللغوية. والدولة بمفهومها العصري يلفظها الواقع العربي عنه، بحيث إن الثقافة المجتمعية تشبعت بالممارسات التاريخية الكلاسيكية التي امتدت لأزيد من عشرة قرون.

فمفهومها لايزال في الوطن العربي تتقاذفه الكثير من الممارسات التي لا تعبر عن خلفية تاريخية أو أيديولوجية مؤسسة وواضحة بشكل يحسم في طريقة الحكم وآليات تدبير الصراع السياسي داخل القطر الواحد. فالتجربة حديثة والنظرية السياسية العربية كانت مترددة بين القطب الشرقي والغربي وبعضها فضل أن يعتمد على التاريخ والآداب السلطانية أو يخلط بين النظريات السياسية المعاصرة وبعض ما بقي من ممارسات فقه السياسة الشرعية، والذي دون تحت إمارة الغلبة والسيف.

والمملكة المغربية والسعودية وبعض الإمارات الخليجية نموذج حي لصور الدولة القادمة من التاريخ البعيد والمشبعة بالتقاليد والأعراف، مع اختلاف في الحدة والانجذاب لذلك بين كل دولة وأخرى، بحسب التجربة التاريخية والاحتكاكات الحضارية المحدودة مع ثقافات أخرى، وبحسب التموقع الجغرافي لكل واحدة على حدى أو بعض نفسيات القادة.

لم تفرز هذه النظريات السياسية كما ممارساتها ثقافة سياسية راشدة على أرض الواقع ولم تتمكن من صناعة زعماء ملهمين ومبدعين يثيرون الانتباه في الواقع السياسي العربي. وظهور الحركات الإسلامية بحدة واندماجها أو انخراطها في العمل السياسي المتأخر جعلها تستفيد من كثير من الأخطاء التاريخية التي وقعت فيها الأنظمة والحكام ومن بعض الثغرات المعرفية والتاريخية في النظرية السياسية الإسلامية، لتبدي قدرة متفوقة على المناورة ومرونة في التعامل مع المستجدات الثقافية والدينية التي تغري الشعوب وتجذبهم لنموذجها.

قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية.

ومن المُغْرِيات، بحث الشعوب عن زعيم صالح أو مصلح محتمل لاعتقادهم بالمهدوية تاريخياً ونفسياً وروحياً، هذا المنتظر الذي سيقود الناس للتقدم كلما بدى أنهم بدأوا يفقدون الأمل من التغيير أو يملون الممارسات الفاسدة كما سوء أحوالهم. وقد كانت بعض الشعوب أكثر قدرة على إبداء معارضتها وثورتها على نمط الحكم الفاسد وكسر صورة الزعيم غير الوطني، فلم تنتظر وعد التاريخ ولا حتميته ولا وعوده البعيدة المنال، ونستحضر هنا ما وقع من ثورات عديدة خلال القرن الماضي ونمثل بدولة العراق ومصر وإيران.

ومرونة الحركات الإسلامية وقدرتها على المناورة في صراعها التاريخي مع الدولة لم يمكنها بدورها في لحظة الانتشاء بالانتصار من ممارسة نقد ذاتي لمسارها المعرفي والأخلاقي وصيرورة ممارساتها وسلوكيات أفرادها وقياداتها، مما ورطها بدورها في تكرار أخطاء زعماء وقادة بلدانهم، فاستنسخوا نفسياتهم. فالزعماء باقتناعهم أنهم يمثلون رأس الحكم ولا شيء دونهم، ويمثلون دائرة مطابقة لوجود فعلي للدولة ولأجهزتها. فخلقوا من أنفسهم طواغيتاً سياسية، واقتنعوا أنهم المهدي الموعود ليحتالوا على الأتباع بإنعاش مخيلتهم كل مرة بخطابات عاطفية تستجدي تعاطفهم وإيمانهم بقدراتهم العجيبة.

مما يضعف دور المؤسسات ويلخص أدوارها في صورة الزعيم وينهي أي معنى لمؤسسات الدولة التي تنهار كلية بانهيار قدراتهم. فوجود الزعيم بين شعبه يشعرهم بالاطمئنان، وقدرته على الحركة وتحقيق المكاسب على غرمائه وغلبته لهم يظهر سلامة وقوة النظام بل في بعض الأحيان يعطي له شرعيته. وهذا كله توهم وسوء تقدير لذات الزعيم ولأساليب تدبير الحكم، فالتجربة المعاصرة ألغت هذا الوهم وكشفت زيف الادعاء، ابتداء بسقوط السوفيات إلى ما بعد انهيار النموذج التونسي والليبي والمصري، وتبقى الأنظمة العربية الأخرى في اضطراب وتوجس وترقب. 

إن التجربة المغربية تعيش في ظل تحولات الربيع الديمقراطي مراناً صعباً، فالأحزاب السياسية فقدت قدرتها على القراءة الاستباقية للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تطرأ على الواقع المغربي لضعف أصابها. ليجد النظام المغربي نفسه إما أمام أشخاص اكتسبوا مشروعيتهم من الحراك الديمقراطي أو من برنامجهم ووعودهم الانتخابية أو أمام منظمات حقوقية ومجتمع مدني يتابع بكثير من القلق والريبة حركات وسكنات الفاعلين السياسيين المغاربة، ونجد هؤلاء لديهم الكثير من التحسس تجاه مواقف بعض الرموز الموالية للنظام سواء كانوا أحزاباً أو أشخاصاً. ويعتقد الفاعل المدني كما الحقوقي أن أي سلوك لا يستند إلى الممارسة الديمقراطية أو روح الدستور يعتبر انتكاسة ومصدر تشويش على المكتسبات السياسية والحقوقية خصوصاً بعد التعاقد على دستور 2011م، ومضامينه التي تتعلق بتدبير الشأن العام واحترام دور المؤسسات وسلطها.

إن ما أفرزته انتخابات 7 أكتوبر 2016م من فوز مسموم لحزب العدالة والتنمية، المعبر عن خلفية المشروع الإسلامي، بعدم قدرته على تشكيل الحكومة مع فرقائه من الأحزاب السياسية المغربية، بعد إعفاء الأستاذ عبد الإله بنكيران وتكليف الدكتور سعد الدين العثماني، ليظهر شدة الصراع القائم بين دائرة المؤسسة الملكية والمقربين منها ودائرة المجتمع الحقوقي والمدني ودائرة الحزب الإسلامي الفائز والمعبر عن الإرادة الشعبية وطموحات الحراك الديمقراطي.

إن فلسفة الدوائر الثلاث في علم النفس والتي أسسها البروفسور بيتر مارش أستاذ علم النفس بجامعة كامبريدج، تؤكد أن لكل إنسان مياه إقليمية وحدوداً مثل الدول، وأن أي إنسان يجلس في منتصف دوائر غير مرئية تحيط به لا تسمح باختراقها إلا لمن نحبهم فقط، وننزعج إذا اقتحم علينا حياتنا أو دوائرنا أشخاص غير مرغوب فيهم. وأي اقتحام لتلك الخصوصية يقتضي من الذات إيجاد حواجز وتعبيرات وتصرفات تظهر توترنا، والتصرف وفق ما يقتضيه الحفاظ على حدودنا للحد من اقتراب الخصم أو الغريب من ذواتنا.

ولتجريب تنزيل هذه النظرية على الوضع السياسي المغربي نجد أن قطباً سياسياً محافظاً ومقرباً من النظام السياسي المغربي يحاول الحافظ على مساحة فارغة بينه وبين الحزب الإسلامي، ويصادر أي ممارسات رمزية ويبدي تحفظاً من المشاريع الإصلاحية التي يقدمها بله المواقف والسلوكيات السياسية التي يبديها القادة ومناضلو هذا الحزب، ويستند ذلك القطب على الآداب السلطانية والتقاليد والأعراف التاريخية المخزنة المتوارثة، التي تجعل من المخزن المسؤول الأول والأخير عن أي إصلاح والقادر على استيعاب حاجات وطموحات الشعب ولكن وفق نموذجه واستراتيجيته وبرنامجه. 

ووفق نظرية الدوائر الثلاث فالمخزن منظومة سياسية وأيديولوجية وكائن تاريخي بمفهوم العروي الذي يسمه بأنه التحرك بحسب المتاح للبشرية أي وفق الظروف الحتمية المتاحة للإنسان وليس خارج تلك الظروف. والمخزن بالمفهوم التاريخي البوبري، يعني كارل بوبر، هو القادر على إيجاد قوانين التغيير الاجتماعي. هذه القوانين زاحم فيها الحزب الإسلامي النظام السياسي أو المخزن فما كان عليه إلا أن يتخذ له استراتيجيات تدافع عن دائرة صناعة قراره وتوسيع خياراته بعيداً عن مناوشات الحزب وخلفية مجيئه للسلطة، مما ورط السيد بنكيران وبعده العثماني، في مشهد سياسي كاريكاتوري بحسب المتتبعين، وضخم غموض المشهد من شكوك المجتمع المدني وتوجسه من مآلات تدبير الفاعلين السياسيين للسلطة والشأن العام. وخلق هذا الجو توتراً داخل أروقة الحزب نفسه، لتبدأ الاتهامات بالخيانة والاستقطابات والموالاة والنزاع على المكاسب والأتباع والتنازع على المصداقية والشرعية بينهم، مما يضع المؤسسة الحزبية وأطرها في رجة وحيرة.

http://blogs.aljazeera.net/Blogs المصدر: