المشقة عند الإمام الشاطبي ( ت790هـ):
  • الدكتور سعيد قدية
الثلاثاء, 25 نيسان/أبريل 2017

المشقة عند الإمام الشاطبي ( ت790هـ):


من مقاصد التكليف في الشريعة الإسلامية رفع الحرج و التكليف بما لا يطاق، حيث ثبت في الأصول أن شرط التكليف أو سببه القدرة على المكلف به، فما لا قدرة للمكلف عليه لا يصح التكليف به شرعا و إن جاز عقلا[1]

و من الأمثلة على ذلك الشهوات الجبلية حيث لا يُطلب رفعها بل ضبطها؛ قال الشاطبي: إذا ثبت هذا ؛ فالأوصاف التي طبع عليها الإنسان كالشهوة إلى الطعام و الشراء لا يُطلب برفعها، ولا بإزالة ما غُرز في الجبلة منها، فإنه من تكليف ما لا يطاق[2].

وقبل الحديث عن جوهر الموضوع وهو نفي المشقة و الحرج في الشريعة الإسلامية و أحكامه وتكاليفها، نستهل البحث بالحديث عن معنى المشقة حيث قال الإمام الشاطبي معرفا لها: و لا بد قبل الخوض في المطلوب من النظر في معنى المشقة وهي في أصل اللغة من قولك شق عليَ الشيء يشقُ شقاً ومشقة إذا أتعبك. ومنه قوله تعالى: "لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ"[النحل الآية 7]. و الشق هو الاسم من المشقة[3].

و بعد هذا التعريف الذي ذكره الإمام الشاطبي و إن لم يكن مستوعبا لمعنى المشقة و موضحا لها بشكل جلي لكن المعنى سيتضح أكثر عنده في الحديث عن أنواع المشاق.

أنواع المشاق عند الشاطبي

أحدها: تكليف ما لا يطاق، فهذا يسمى مشقة، كالمقعد إذا تكلف القيام، و الإنسان إذا تكلف الطيران في الهواء.

الثاني: المشقة غير المعتادة ، وهي أن يكون خاصا بالمقدور عليه إلا أنه خارج عن المعتاد في الأعمال العادية، بحيث يشوش على النفوس في تصرفها، و هذا الوجه على ضربين:

أحدهما: أن تكون المشقة مختصة بأعيان الأفعال المكلف بها وملازمة لها، بحيث لو وقعت ولو مرة واحدة لوجدت فيها، وهذا هو الموضع الذي وضعت له الرخص المشهورة في اصطلاح الفقهاء، كالصوم في المرض و السفر، وما أشبه ذلك.

الثاني: أن لا تكون مختصة، ولكن إذا نظر إلى كليات الأعمال و الدوام عليها صارت شاقة، ولحقت المشقة العامل به، و يوجد هذا في النوافل وحدها إذا تحمل الإنسان منها فوق ما يحتمله على وجه ما، إلا أنه في الدوام يُتعبه، وهذا هو الموضع الذي شرع له الرفق و الأخذ من العمل بما لا يُحصّل مللا.

الثالث: أن يكون الفعل خاصا بالمقدور عليه، وليس فيه من التأثير في تعب النفس خروج عن المعتاد في الأعمال العادية، ولكن نفس التكليف به زيادة على ما جرت به العادات قبل التكليف، شاق على النفس، ولذلك أطلق عليه لفظ التكليف وهو في اللغة يقتضي معنى المشقة.

الرابع: أن يكون خاصا بما يلزم عما قبله، فإن التكليف إخراج للمكلف عن هوى نفسه، ومخالفة الهوى شاقة عل صاحب الهوى مطلقا، و يلحق الإنسان بسببها تعب و عناء.[4]

بعد هذا البيان المستفيض لأنواع المشاق انتقل الشاطبي رحمه الله ليدلل على عدم قصد الشارع للمشاق بجملة من الأدلة منها:

أحدها: النصوص الدالة على ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية.

الثاني: ما ثبت أيضا من مشروعية الرخص، ولو كان الشارع قاصدا للمشقة في التكليف، لما كان تم ترخيص و لا تخفيف.

الثالث: الإجماع على عدم وقوعه وجودا في التكليف، وهو يدل على عدم قصد الشارع إليه.[5]

 هل المقصود التكليف أم المشقة؟

يرى الشاطبي أنه لا نزاع - في أنَّ الشَّارع قاصدٌ للتَّكاليف بما يلزم عنه كلفةٌ ومشقةٌ، ولكنَّ لا تسمَّى في العادة المستمرَّة مشقَّةً.[6]

فلا يُفهم من قصد الشَّارع التَّكليف بما فيه مشقَّة معتادة قصدُه أيضاً طلب المشقَّة من جهة نفس المشقَّة، بل من جهة ما في ذلك من منافع ومصالح عائدة على المكلَّف، ونقل الشَّاطبي الإجماع في ذلك بقوله: (والإجماع أنَّ الشَّارع يقصد بالتَّكليف المصالح على الجملة).[7]

لا يجوز للمكلف قصد المشقة

هذا من جهة المشقَّة المعتادة، أمَّا من جهة المكلَّف؛ فعليه أن لا يقصد المشقَّة في التَّكليف، وإنَّما عليه أن يقصد العمل الذي يَعظُم أجرُه لعِظَم مشقَّته من حيث هو عمل؛ كما قال: (إذا كان قصد المكلَّف إيقاع المشقَّة فقد خالف قصد الشَّارع من حيث إنَّ الشَّارع لا يقصد بالتَّكليف نفس المشقَّة، وكلُّ قصدٍ يخالف قصد الشَّارع قصدٌ باطلٌ، فالقصد إلى المشقَّة باطلٌ).[8]

المقصد من الرخص

يقول الشَّاطبي في بيان الغاية من رفع الحرج عن المكلفين؛ فيسندها إلى وجهين:

الأول: الخوف من الانقطاع في الطَّريق وبغض العبادة وكراهة التَّكليف، ويدخل تحت هذا المعنى الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه أو عقله أو ماله أو حاله.

الثاني: خوف التَّقصير عند مزاحمة الوظائف المختلفة المتعلقة بالعبد؛ كقيامه على أهله وولده مثلًا، فربما كان الدُّخول في بعض الأعمال شاغلًا عنها وقاطعًا بالمكلَّف دونها؛ فيكون حينئذٍ ملومًا غيرَ معذور.[9]

ويؤكد الشاطبي بعد ذلك على أنَّ كون الشارع لا يقصد المشقَّة عامٌ في المأمور والمنهي.

ويذكر الشاطبي في خاتمة أنواع المشقة نوعًا من أنواع المشقة كثُر التَّذرُّع به؛ ألا وهو مشقَّة مخالفة الهوى، فيبين أن مشقَّة مخالفة الهوى غير معتبرةٍ شرعًا، لأنَّ مقصود الشَّارع من وضع الشَّريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه، فمخالفة الهوى ليست من المشقَّات المعتبرة في التَّكليف، وإن كانت شاقةً في مجاري العادات.[10]

وأخيرًا يجسِّد الشاطبي جلالة فنِّ المقاصد؛ إذ يذكر أن المشاقَّ نوعان: دنيويةٌ وأخروية، وأنَّ الدخول في المشقَّة الأخروية إذا كان يؤدي إلى تضييع واجبٍ أو فعل محرمٍ فهو أشدُّ مشقَّةً باعتبار الشَّرع من المشقَّة الدنيوية غير المخلَّة بالدِّين، فالدنيا كما يُبيِّنُ الشَّاطبي تُتُحمَّل أعظمُ مشاقها لأجل دفع مشاق الآخرة، فلا يُقام صرح الدنيا بهدم بناء الآخرة.[11]

 الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الدكتور سعيد قدية باحث في الفكر الإسلامي 

[1]  الشاطبي، الموافقات، دار الكتب العلمية: بيروت (ج2، ص82).

[2]  الشاطبي، الموافقات، دار الكتب العلمية: بيروت (ج2، ص83).

[3]  نفسه (ج2، ص91).

[4]  نفسه، بتصرف يسير ج2/ 91_92

[5]  نفسه، بتصرف يسير ج2/93_94

[6]  نفسه، بتصرف يسير ج2/94

[7]  نفسه، بتصرف يسير ج2/94

[8]  نفسه، بتصرف يسير ج2/97

[9] نفسه، بتصرف يسير ج2/104

[10] نفسه، بتصرف يسير ج2/116-117

[11]  نفسه، بتصرف يسير ج2/117