الدكتور سعيد شبار يكتب: خطورة التغليط والتضليل العلمي والمنهجي
  • الدكتور سعيد شبار
الثلاثاء, 16 أيار 2017

الدكتور سعيد شبار يكتب: خطورة التغليط والتضليل العلمي والمنهجي

تابعت في الآونة الأخيرة بعض المقالات والآراء لباحثين وأساتذة آلمني ما فيها تغليط وتضليل، ومن غياب للنصح والتوجيه في أبواب العلم والمعرفة ومناهج تحصيلها والبحث فيها بما يؤهل المتلقي الى بناء شخصيته البحثية واكتساب منهجيته في التحصيل والدرس بل وفي النقد والمراجعة، مع ما يلزم في ذلك من توجيه الى الحرص على توخي الانصاف والموضوعية والتحرر من الارتهانات القبلية أو "التحيزات الكامنة" كما يسميها البعض ما أمكن ذلك.
وكنا نعيب هذا السلوك على بعض "التوجهات الدينية" التي لا ترى العلم والمعرفة الا في "الدين" كما تفهمه هي طبعا، وكأن الله تعالى لم يخلق الدنيا ولم ينصب فيها آياته، ولم يجعل الانسان نفسه آية من آياته، وأن مداخل التعرف على هذه الآيات ليس الا العلوم والمعارف التي يكتسبها الانسان ويجتهد على الدوام في تطويرها وتجديدها. وأن الفقه في آيات الأنفس والآفاق هو كالفقه في آيات النص فكلها آيات لله، وأن التفاضل والشرف الموروث بين العلوم لا معنى له إلا من حيث كون بعضها أصل لبعض، ومن ثم لم يكن في دين الإسلام شيء يعارض العلم ولا المعرفة ولا العقل إلا ما كان من سوء فهمه وتأويله، أو مقارنته بغيره من الأديان التي خاضت معارك معروفة مع العلم والعقل والفكر والفلسفة... حتى أضحت هذه المكونات في عرف هؤلاء خصما لكل لدين، وأن مقاومتها، في منظور "المتدين" هو خدمة للدين ودفاع عنه خصوصا وأن كثيرا من مضامينها مستعارة ووافدة من "الملة" أو "الملل" الأخرى! تماما كما أن مقاومة "الدين" أو "الفكر الديني" كان ولايزال في منظور "الحداثي" أو "غير المتدين"، هو خدمة للعلم وللفكر وللمعرفة والفلسفة، دون تمييز بين دين وآخر وسياق تاريخي وآخر.
كانت هذه التوجهات في الواقع لا تفعل شيئا سوى تغذية نزعات النقد لها وللدين كذلك وهي تقدم صورة ضعيفة بل وشائهة عنه، وما يكفي من مبررات قصورها في تقديم صورة حقيقية تعكس جوانب التحضر والاستنارة فيه. وكان المطلوب ولا يزال تحرير المعرفة الدينية من قبضة الفكر أو الفهم المنغلق على ذاته، الذي لا يكاد يتجاوز أو يستوعب دائرته الضيقة، فكيف به خطابا للعالمين وللناس أجمعين!! ولقد بدأت بعض المدارس والمؤسسات الوصية عليها، تأخذ هذا الأمر بعين الاعتبار وتقوم بدمج وتلقيح المعارف بعضها ببعض، علوم دينية وعلوم اجتماعية وإنسانية، والقيم والأخلاق الضرورية للعلوم المادية والبحثة. وإن كان هذا الأمر في بداياته فهو ما ينبغي تشجيعه والتنويه به.
لكن للأسف في الآونة الأخيرة تناسلت كتابات ومواقف من الجهة الأخرى، التي تحسب نفسها على خط الحداثة والعلمانية أو التي تريد الالتحاق بهما، وطبعا لها كامل الحرية في ذلك. ولهذا فملاحظاتي لا علاقة لها بالاختيارات الخاصة وستنصرف، من خلال عرض بعض النماذج، الى المنظور والمنهج ومسؤولية الباحث والمفكر فيما يلقي الى الناس من غير تبين وتأكد فضلا عن الدراسة والتحقق. ففرق بين الآراء والمنظورات التي تُبنى علميا ومنهجيا بحيث تجعلك تحترمها وإن اختلفت معها، والآراء التي تُبنى بالتعبئة والحشد وانتهاز الفرص والتقاط الناجز والجاهز، والحرص على تعميق التقاطب والتمايز الثنائي بين المكونات الفكرية للأمة، بدل التكامل في اتجاه الغنى والتعدد المؤثث للثقافة. هذا فضلا عما يخلفه ذلك من تشويش وآثار سيئة على البحث والباحثين، فالعمل على توهيم الباحثين بخندقتهم في "الحداثة واللحظة" وأنهم بذلك يصبحون "معاصرين حداثيين متحضرين" وإن لم يكن لمعاصرتهم ولا لحداثتهم مضمون أو موضوع! وإن لم تكن لهم حضارةَ! إذ نحن جميعا عالة على غيرنا في ذلك، هو تغرير وتغليط مفرغ من أي إحساس بالمسؤولية. وهو نفسه منطق "خصومهم" في خندقة وحشد باحثين آخرين في "التراث والماضي" وتغريبهم عن حاضرهم بدعوى حماية ذلك الماضي والتراث. وقد يتضخم هذا التوهم لدى الطرفين لدرجة الشعور بالوصاية على القطاع وحيازته وكأنه إقطاع، بل والتحدث الرسمي باسمه!! وليس في ذلك الا استدامة للصراع والتقاطب بين الأجيال القادمة وتفويت لفرص الانسجام والبناء المشترك بينها.
إن كثيرا من الباحثين هنا، وحتى بعض المؤلفين، يفهمون أن إسهامهم في المشهد الفكري والثقافي مرتبط بهزم خصومهم واستعمال ما توفر من أسلحة مفاهيمية في ذلك، بل والاستقواء بالخارج وسلطانه وسطوته! وهذا معناه عدم استيعاب طبيعة الأزمة الفكرية والواجب في إصلاحها والاسهام في النهوض بها، ولو من موقع الناقد، من خلال مكوناتها وعناصرها أولا، ثم ما يفيدها انفتاحا وتواصلا مع غيرها ثانيا. وهذا شأن جميع الأمم التي لها ذات وكيان، ثم هي منفتحة ومتواصلة مع سائر الذوات والكيانات. ولم توجد قط أمة تماهت مع العالم ولم تحتفظ لنفسها بخصوصيات، أو لم تكن لها هوية تميزها عن سائر الهويات. فهذه اليابان والصين ومعظم الشرق الآسيوي رغم انفتاحه على الحداثة واسهامه في بنائها، ما تزال عراقة وأصالة تقاليده الدينية والأدبية والفكرية وحتى السياسية راسخة، تتلقنها الأجيال دون أن تكون عائقا أمام النهضة والتنمية. وهذه أوروبا، وفرنسا فيها تحديدا، خطوطها "العلمانية" الحمراء واضحة وصارمة حتى ولو بالانقلاب على مبادئ العلمانية ذاتها. وهذا الهلوكوست، بل والتاريخ اليهودي كله مقدس مع "الكتاب المقدس"...!
فالتعرية الكاملة للبيت، والحريات التي لا حدود لها، والاختلاف دون سقف ومبادئ جامعة وموحدة، وإضعاف الهوية والذات في مكوناتها الأساسية... كلها مقدمات لا يمكن أن تبشر بخير. فثمة أولويات في الإصلاح والتغيير كما في التنمية والتحديث، وعلى رأسها قدر من الوحدة والانسجام ومن الأمن والاستقرار تسهم فيه كل الأطراف، يكون هو "مركز الثقل الجامع" أو "الكتلة الوسط" حيث تُحترم فيه اختيارات الأمة الكبرى في دينها وثقافتها وسياستها وأمنها ووحدتها، وحيث ينبغي توجيه عناية الباحثين كل يسهم فيه من زاوية اختصاصه تكاملا لا تقابلا.
بدا لي من خلال ما قرأت، وأنا حريص على إعطاء ما أقرأ معنى إيجابيا مهما خالفني أو خالفته، إذا استطعت التواصل معه عقلا أو تاريخا أو معرفة أو منهجا... أو من أي مدخل للاستفادة، أننا في المغرب وكأننا في بلد شارد مازال يبحث عن هويته وكينونته واختياراته ويريد تعريف نفسه لأول مرة، ليس له تاريخ ولا اختيارات ولا أعراف وتقاليد...!! نعم، لم أستطع التفاعل ولا التواصل بل عدت بخيبة وأسى، متسائلا كيف لا يُقدر الكاتب مسؤولية ما يكتب؟ بل كيف يستسيغ أن يكون سببا في تضليل الباحثين وحشرهم في الزوايا والأطراف المتقابلة، بدل تأهيلهم للبناء والعطاء المشترك. فوحدها الأفكار النافعة والمفيدة التي يكتب لها الاستمرار والخلود وتحظى بالقبول والاجماع، ولا يُخلد اسم ما لمجرد أنه اسم، بل بمقدار اسهامه في تطوير الفكر ونفع البشرية. فمن هذه الموضوعات والآراء التي تُطرح طرحا عار عن النظر العلمي والمنهجي، مع احترام أصحابها طبعا فالقصد الأفكار لا الأشخاص، أذكر ما يلي:
ــ تكرار الدعوة الى المساواة في الإرث، إذ تطرح في كل مرة بشكل وإخراج معين؟! لكن الأخطر فيها هو طرحها مفردة وكأنها قضية مستقلة ليس لها ارتباطات بنسق ايماني اعتقادي، ولا أسري اجتماعي، ولا إلزام والتزام مالي...، وليس ثمة شيء أخطر في التعامل مع نصوص القران والسنة من الانتقائية والاجتزاء عن النسق والسياق المؤطر حيث تحمل المفردات، أحكاما وقيما، معناها الخاص والعام معا. فإذا جُردت عنهما أمكن اعطاؤها أي معنى آخر، لكن قطعا هو غير المعنى الشرعي. فانظر ما تفعل جماعات في المسلمين وغيرهم بمفهوم "الجهاد" وآياته، و"الولاء والبراء" وآياته... وقس على ذلك. هذا بالإضافة الى ضرورة تمحيص مفهوم "المساواة" نفسه، ما المراد به وما سياقات تداوله الأصلية، وما كيفيات تنزيله المحلية. فإذا فتح النقاش في النصوص الدينية فكيف لا يفتح في النصوص البشرية!!
وإذا كان الواقع أصلا معتبرا شرعا وعنصرا حاسما في تكييف الأحكام، فإننا لم نقف فيما قُدم من مراجعات ونقاش على إحصاء اجتماعي يحدد نسبة التحول في الانفاق في المجتمع داخل الأسر؟ فإذا لم نجد نسبة مقدرة وجب إنصافا وموضوعية أن تُذكر النسب الوازنة في الآفات الاجتماعية والأسرية الأخرى وما أكثرها!! وأن تخضع للدرس والتحليل والنقاش والمعالجة المستمرة في أفق الحد أو التقليل منها. فلماذا يتم تضخيم الأرقام الصغيرة وتحجيم الأرقام الكبيرة أو إغفالها بالمرة!!
ــ مقولة: أن الإرهاب وما تقوم به داعش لم يبق انحرافا في الفكر والسلوك وفي تمثل النصوص، بل هو في النصوص ذاتها وفي الدين نفسه باعتباره أصلا ومصدرا للإرهاب يحث ويحض عليه!! ومع ما في المقولة من خلط وتغليط، فإن أصحابها كانوا لفترة قريبة يقولون: نحن لا نعترض على النصوص بل على فهمها وتطبيقاتها، وهاهم يصلون اليها ويحملونها أخطاء الناس!! وحتى إذا طلبنا منهم نصا تحريضيا على العنف والإرهاب اجتزأوا آية أو طرفا من حديث، وسقطوا في الآفة المنهجية التي ألمحنا اليها سلفا. فإذا تم ضبط النص في سياقه ومعناه الشرعي الأصلي، لجأوا الى أقوال وآراء فقهية فيها غلو، وأعرضوا عن غيرها الذي يبرز سماحة وعدل ورحمة ويسر الشريعة وما أكثرها!! وهي من الأصول الكبرى المقررة التي تضافرت فيها النصوص. والفقه عموما اجتهاد وفهم، الأصل فيه الانضباط الى كليات وأصول الدين لا الانفلات منها، وما كان منها منفلتا فلا حجة فيه. فمراجعة الفقه والتراث مطلوبة، والاجتهاد والتجديد لكل القضايا الراهنة ونبذ الجمود والتقليد هو الأصل في الفقه، لأنه العلم العملي المواكب لتطور الحياة. لكن ما معنى هدر القيم الكبرى والمعاني السامية في الإسلام.
لم يكن الاختلاف الملي قط مبررا للقتال بل العدوان والمحاربة، وفي الوقت الذي كانت الأديان والحضارات تحارب فيه من أجل السطو والسيطرة وإبادة الشعوب وامتهان كرامتها وكان هذا أصلا فيها، حارب الإسلام من أجل السلم والعدل والكرامة وكان هذا الأصل فيه، وإذا برزت انحرافات تُقوم به وليس العكس ففيه معيار الضبط والتقويم. وثمة طقم تشريعي كامل في البر والقسط والجدال الحسن والكلمة السواء والتراحم والانصاف والسماحة والحوار والتدافع والتعارف وضمان وتوثيق الحقوق والحريات الملية والاثنية... تَم تقريره في تاريخ البشرية إذا ما قورن في سياقه وبأحوال زمانه كان، وهو لايزال، تحولا وتغييرا كبيرا ـ وهذا تعبير ألطف من الثورة والانقلاب في زمننا هذا خصوصا ـ على مستوى الفكر الإنساني في القيم والعلاقات وفتح أبواب الحوار والتواصل الديني والحضاري، وبناء المشترك الإنساني وكسر أطواق التمركز الذاتي... وهذا من الفقه الذي ضمر في ثقافة المسلمين للأسف، وبدل إحيائه وتطويره وجعله قناة تواصل وقوة اقتراحية بامتياز، تتجاوز كثير من الادعاءات الزائفة اليوم في حق الشعوب وتقرير مصيرها، نجد إهماله من أهله والتنكر له من خصومه. فلِماذا تحرص بعض الجهات على إبراز السلبيات وهي انحراف عن الأصل، وإهمال الإيجابيات وهي الأصل؟
ــ قول بعضهم في مراجعة مقررات التربية الإسلامية: أن تكون هذه المادة اختيارية!! وكأن هذه الأمة على خلاف كل الأمم في الأرض، ليس من حقها أن تعلم الأجيال دينها، وتورثها هويتها وحضارتها ومبادئها واختياراتها، ترى من يفعل هذا ويجعل دينه وتاريخه وحضارته موضع اختيار!!. ومثل ذلك القول: ـ وأرجو ألا يصح هذا القول ـ بأن الأطفال، وهم بين سبع وعشر سنوات على الأرجح، يستعصي عليهم تعلم معنى الصلاة والصوم والحج، أي أركان الإسلام، بشكلها الشرعي المنصوص. والدعوة الى تعليمهم إياها بمعناها الكوني كما كانت تمارسها شعوب أخرى دون أن نخبرهم بأن الإسلام يحض على ممارستها!! وإذا لم يصح القول المنسوب الى قائله، فالتعجب هو من جرأة الناقل على التغليط والتضليل، وما يصاحبها من جهل بما لدينا وبما لدى غيرنا، وكيف يتم التبشير بشعائر غيرنا على ما فيها وهن وضعف لا يستسيغه عقل ولا ذوق، ويتم الاعراض عن شعائرنا مهما تبدى لنا فيها من حِكم ومصالح وتقدير للعقل والفكر!!
ــ مقولة: أن كل السنة تاريخ وأحداث لاحقة بعد الوحي وأنه لا وحي فيها. وهذا أشبه بقول المخالفين: بأن كل السنة وحي مهما ضعفت رواياتها وضعف رواتها وأنه لا تاريخ ولا اجتهاد فيها. ولا يخفى أن العلماء قد ميزوا بين تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي والتبليغ، وهو التصرف المعصوم فيه لأنه مبلغ عن الله تعالى سواء كان قرآنا أو بيانا من السنة. وإلا لزم من ذلك أن نشك في صلاتنا وصومنا وحجنا... وكثير من معاملاتنا التي وردت أصولا في الكتاب وتفصيلا وبيانا قوليا وعمليا في السنة، فالسنة من هذا الباب ملازمة للوحي دائما محفوظه بحفظه. وبين تصرفه عليه السلام بالفتيا والقضاء والامامة والجبلة أو الطبيعة البشرية، وكلها مواطن اجتهادية وتقديرية للمصالح والنوازل الحوادث الطارئة في ضوء أصول وكليات التشريع ومقاصده طبعا. وهو ما كان القران يتدخل فيه أحيانا تنبيها وتصويبا كما في أسرى بدر ومطلع سورة عبس... وغيرها. بل هو ما تقرره أحاديث كثيرة في هذا الباب كقضائه صلى الله عليه وسلم بين المتخاصمين وكون أحدهما ألحن بحجته من الآخر وفي تأبير النخل... وغيرها. وهو كذلك ما كان يُراجِع فيه الصحابةُ الرسول صلى الله عليه وسلم: هل قوله وفعله أمر، أم رأي وشفاعة وعادة... فعلى الأول يكون واجب الطاعة والثاني محمول على التخيير، كما هو شأن الجارية في شفاعته عليه السلام في زواجها بمن لا ترغب فيه فرفضت واحترم قرارها واختيارها، وقول الحباب بن المنذر في اختيار المكان في غزوة بدر..، ومن ذلك أيضا امتناعه عليه السلام عن أكل بعض اللحوم وفعل بعض الأشياء عادة لا تعبدا...إلخ.
وهذا ما جعل علماء آخرين يميزون بين السنن التشريعية وغير التشريعية، ومع ذلك نقول إن السنة كلها بل السيرة كلها، محضن هدى وإرشاد واقتداء وتأسي بالإلزام أو بالاستلهام للرؤية والمنهج في الفهم وفي التنزيل. والذين يستبعدون السنة جملة ويكتفون بالقران هم في الواقع يستبعدون الإمكان التطبيقي للقران نفسه، وما عليهم إلا إحصاء وتدبر آيات القران الموجبة لطاعة الرسول وتحكيمه واتباعه والتأسي به، بل وحتى الأنبياء من قبله لغرض ومقصد الفهم والتنزيل ذاته. فكيف يُتبع بعض القران دون بعض؟ وهل يصح أن يقال: كان ذلك ممكنا في حياة الرسول؟! أليست الرسالة أكبر من الرسول ومن الرسل جميعا، وإنما هم فيا وبمنطقها منارات اهتداء واقتداء حتى إذا أفضوا الى ربهم بقيت سننهم لأنها البيان المراد أصلا لمن كان معهم ولمن سيأتي بعدهم. فهذا أمر، وتمحيص الروايات صحيحها من سقيمها أمر آخر يطرق من بابه. واما أن نجتر ونكرر ادعاء بعض المستشرقين من أن السنة صُنعت في التاريخ وأحداثه ولم تُعرف مصدرا للتشريع الا في السنة الثانية، فقول هؤلاء يحمل على خلطهم بين التدوين والتشريع وكأنها تُقرر لأول مرة، وهذا في أحسن الأحوال. وإذا وقعوا في خلط وجب تصويبه لا تقريره وتعميمه.
وأود أن أنبه هنا الى أن الوحيين الذين يكافئ ويعادل أحدهما الآخر، هما كتابان لله تعالى أحدهما مسطور والآخر منظور، أوجب في أحدهما التدبر وفي الآخر التفكر. مكافأة ومعادلة في الخصائص الاعجازية والتحدي الدائم القائم بها، وفي النظام والسننية والإحكام للمفردات والآيات، وفي سبل ومداخل الهداية والتعرف على الله تعالى من خلال آياته... حتى إنك تستطيع أن تقرأ الأول في الثاني والثاني في الأول، ولو أردت رسم صورة ومشاهد عن المسطور لما كان الا المنظور، ولو أردت وصفا وتعبيرا عن المنظور لما كان الا المسطور. وهذا ما عبر عنه العلماء قديما وحديثا بالتلازم الوثيق بين سنن الله الدينية الشرعية وسننه الكونية القدرية.
ــ مقولة: التدين "النظري" والتدين "العملي"، وذلك عندما يدعي مسلمون أنهم ملتزمون "نظريا" لا "عمليا" بالدين! أي لا يقيمون شعائره بدءا من أركانه، كلها أو بعضها، صوما أو صلاة أو حجا أو زكاة، وانتهاء بنوافله وقرباته. فنقول هنا ما الفرق بين هؤلاء وبين من عاش في ظلال الإسلام ممن ليسوا مسلمين فأعجبوا بحضارته وعلومه وآدابه وفنونه وقيمه وأخلاقه وحتى بكتابه...، فدافعوا عنها نظريا ولم يكن لها أثر في التزامهم العملي. نعم، الفرق أولا أن المسلمين مسلمون وأن هؤلاء غير مسلمين يشكرون على إنصافهم، لكن المطلوب من المسلمين بمقتضى اسلامهم أن يصلوا "النظري" بـ "العملي"، وأن يكون لهم من علمهم ومعرفتهم بالدين كسب من التدين. فالحقيقة الدينية إيمان وعمل، والمؤمن يؤمن طبعا بالجزاء المرتب على الأقوال والأفعال. وهذا محل مجاهدة ومراجعة فكرية ونفسية ليس للمسلم "النظري" فحسب، بل للمسلم "العملي" كذلك في تقويم نظره ومعرفته بالدين حينما تركبها الأعطاب والاختلالات وما أكثرها.
فهذه نماذج تفسيرية، بعبارة المسيري رحمه الله، فيها اشارات وتنبيهات للباحثين خصوصا. تراكمت في مدة وجيزة وكان الجامع بينها الخلل الواضح في التحري العلمي والمنهجي وعدم استشعار مسؤولية القول والالقاء بالآراء أيا كانت الى المتلقين، دون اعتبار مآلاتها فيهم ولا حرص على توجيههم نحو الأنفع والأصلح لهم ولبلدهم، وتجنيبهم الخصومات الوهمية الزائفة كتوهم القضاء أو تجاوز الحقيقة الدينية لدى "غير المتدين"، أو توهم القضاء أو تجاوز الحقيقة الدنيوية والزمنية لدى "المتدين". فالدين والدنيا كلاهما من الحقائق الكونية والوجودية خارج القدرة والامكان البشري، وأكبر من الانسان وجودا وايجادا. وهو مدعو، استخلافا وتكليفا، الى اعتبارهما والكسب منهما معا لا الانزواء والانطواء في أحدهما دون الآخر، وعليه الانتباه الى حقيقته الصغرى والى الحقائق الكبرى من حوله.
قد أكون مخطئا في القول أو مسيئا في التقدير فمعذرة إن حصل شيء من ذلك
والله المستعان.