حقوق الإنسان في المغرب بعيون أممية
  • الدكتورة فاطمة الزهراء هيرات
الخميس, 28 أيلول/سبتمبر 2017

حقوق الإنسان في المغرب بعيون أممية

"فرضت السلطات قيودا على الحق في حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات ولاحقت الصحفيين قضائيا، وفضت المظاهرات باستخدام القوة، وعانت المرأة من التمييز في القانون وفي الواقع الفعلي.

واستمر تجريم العلاقات الجنسية بالتراضي بين أفراد من الجنس نفسه. وأصدرت المحاكم أحكاما بالإعدام، ولم ينفذ أي أحكام بالإعدام".
هكذا بدأت منظمة العفو الدولية تقريرها عن حالة الحقوق الإنسان بالمغرب لسنتي 2016/2017.
مقدمة مخيفة تبالغ في الواقع الحقوقي الوطني الذي اعتبرته مزريا وينبئ باحتقان وكارثة قد تهدد استقرار البلاد. في حين أنه بالاطلاع على تفاصيل التقرير حول وضعية حقوق الإنسان بالمغرب نسجل مجموعة من الملاحظات والتوضيحات التي أحاول أن أكون فيها موضوعية لأقصى حد.

فرغم أن التقرير اعترف بجهود إصلاح منظومة العدالة من خلال إقرار قوانين المجلس الأعلى للقضاء، و"النظام الأساسي للقضاة"، إلا أنه اعتبر أنهما "لم يحققا استقلال القضاء"، ولم يمنح الفرصة بذلك لتقييم قوانين لم يتم إقرارها والمصادقة عليها إلا منذ أقل من ست شهور. ولم يعترف بالتعديلات التي تمت أو التي لا زالت قيد المناقشة -على مستوى المؤسسة التشريعية-فيما يخص القانون الجنائي، لأنه لم يتصد "للعيوب المهمة" – حسب تعبير التقرير_، وهي إلغاء عقوبة الإعدام، والقيود على حرية التعبير والعقيدة.

كما أن التقرير الذي اعتبر أن إعادة محاكمة المتورطين في قضية اكدم إزيك انتهاكا لحقوق الإنسان وقمعا للمعارضة، واعتبر أن اعترافاتهم "انتزعت" من خلال التعذيب، دون إشارة لتفاصيل المحاكمة ولا حيثياتها. وبالمقابل لم يتطرق لأصناف التعذيب ووضعية حقوق الإنسان بمخيمات تندوف بالجمهورية الوهمية، استنادا على شهادات حية قامت برصدها عدد من المراكز الحقوقية الدولية من بينها مركز التفكير “سيبيلاتام” الكولومبي في مقال نشرته وكالة المغرب العربي للأنباء في شهر مارس 2017، وهو ما تؤكده كذلك هبة مرايف، مديرة البحوث لشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية بتصريحها في الموقع الالكتروني الرسمي لمنظمة العفو الدولية في شهر أبريل 2017 "أن تمكين بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية ومخيمات اللاجئين الصحراويين بتندوف بالغ الأهمية لضمان أن الانتهاكات المرتكبة بعيداً عن أعين الجمهور تصل إلى الرأي العام العالمي" وهو ما يتناقض مع التقرير الذي اعتبر النشطاء الصحراويين مصنفين ضمن المعارضة السلمية وأنهم ملاحقين قضائيا فقط لأنهم نادوا بحق تقرير المصير وأبلغوا عن انتهاكات حقوق الإنسان المجهول مصدرها ومرتكبيها؟؟

وفي المحور المرتبط بحقوق المرأة بالمغرب، ورغم اعتراف التقرير بأن القوانين التي تمت المصادقة عليها في البرلمان المغربي بشأن مكافحة العنف ضد المرأة وقانون العمال المنزليين تحتوي على عناصر إيجابية، إلا أنها لن تكفل للنساء الحماية الفعالة من العنف والتمييز دون تعزيز الضمانات التي يحتويها بشكل كبير، خصوصا مع استمرار تجريم الإجهاض في القانون الجنائي إلا في حالات سفاح القربى والاغتصاب وبعض الأسباب الطبية. وركز التقرير في هذه الفقرة على إثارة موضوع تجريم الإجهاض، وهي الجريمة المتفق عليها مبدئيا في أغلب القوانين الجنائية المقارنة، بالاستثناءات الواردة أعلاه وبدون استثناءات، ومع استفحال ظاهرة الإجهاض السري حاولت أغلب القوانين معالجة هذه الآفة الخطيرة التي تتعارض مع المبدأ الأممي وهو الحق في الحياة لذلك الجنين بفرض قوانين صارمة بغية إقرار هذا المبدأ.. في غياب إحصائيات دقيقة حول هذا الموضوع على المستوى الوطني، وتضارب وجهات نظر المجتمع المدني بهذا الخصوص والتي تتوزع بين مؤيد ومعارض بل حتى المؤيدين أضحوا يحاربون الإجهاض السري ويطالبون به علنيا خوفا على صحة الأمهات من العصابات الطبية التي اتخذت الإجهاض صنعة لهم؟؟؟
كما اعتبرت المنظمة أن اعتقال المثليين والمثليات وذوي الميول الجنسية الثنائية والمتحولين جنسيا ومزدوجي النوع، ومتابعتهم بموجب الفصل 489 من القانون الجنائي، يعد خرقا لمبادئ حقوق الإنسان واستشهدت في ذلك بملف أو ملفين للمتابعين في مثل هذه القضايا التي تتناقض مع مثل قوانين المملكة المغربية بدءا بدستورها مرورا بباقي القوانين.

تقرير منظمة العفو الدولية الذي لخص وضعية حقوق الإنسان في المغرب في صفحتين، وتطرق لوضعية مجموعة من المرضى النفسيين المصنفين (كونيا) بالمدافعين عن الحرية الجنسية في غياب إحصائيات تحدد نسبتهم في هذا الوطن، -وأحيانا بأرقام محتشمة تظهر في بعض المواقع الالكترونية بتغطية مجهولة الإسم–، والذي وجب وضع استراتيجية و تخصيص ميزانية لهم من أجل علاجهم من أمراضهم النفسية والفيزيولوجية. لم يتطرق لوضعية الأشخاص الذين يعيشون تحت عتبة الفقر والذين يعيشون بأقل من 1.9 دولار يوميا (تقريبا 18 درهم) والذين تتجاوز نسبتهم 3.1 بالمئة، وما نسبته  15,5 بالمئة من الأشخاص يعيشون على 3.1 دولار يوميا، حسب الإحصائيات الأخيرة للبنك الدولي ومنظمة فاو للأغذية والزراعة، وهي بالطبع أرقام مرتفعة حسب التقرير لا سيما في العالم القروي، وتنبأ لها البنك الدولي بالانحسار والاستقرار في هذه النسب لمدة ليست بالهينة.

التقرير كذلك انتقى بعض الجمعيات الحقوقية التي لم تحصل على رخصتها القانونية للقيام بأنشطتها، ولم يتطرق لجمعيات أخرى تطالب بهذا الحق منذ سنوات ولم تحصل عليه رغم الدعم الدولي لمنظمات ومؤسسات حقوقية عالمية، كجماعة العدل والإحسان والبديل الحضاري، حزب الامة، جمعية الحرية الآن وغيرها، فقط لكونها تمتلك مواقف سياسية وإيديولجية معارضة.
أما في محور حرية التعبير، فقد تطرق التقرير –فقط- لبعض نشطاء البوليساريو وحركة الأطر العليا المعطلة الصحراويين، ولم يتطرق نهائيا "لشباب الفايسبوك"الذين توبعوا في ملف يتعلق بتدويناتهم على مواقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك إثر حدث اغتيال السفير الروسي، ولم يتطرق لنشطاء حراك الحسيمة الذي عرفته المنطقة هذه السنة....

انطلاقا مما سبق أتساءل عن الأهداف من إصدار هذه التقارير؟ وما مدى تأثيرها في السياسات الداخلية للدول؟ وما قيمتها المضافة؟
التقرير أورد جملة في مقدمته مفادها أنه بذل من الوقت والجهد ما يضمن دقة المعلومات الواردة في التقرير، وبأن هذه المعلومات يمكن أن تخضع للتغيير "دون سابق إخطار"؟؟؟ وهي فقرة متناقضة، فكيف تم التدقيق في معلومات يمكن تعديلها وتغييرها دون سابق إخطار، حتى أن التقرير لم يورد ولم يكشف عن مصادره في أخذ المعلومة...

وهذا يطرح علينا السؤال الدائم والمتكرر حول مصداقية هذه التقارير الدولية، التي تصدر في كل مرة تثير جعجعة من خلال التركيز فقط على دول العالم الثالث إن لم أقل الدول العربية والإسلامية على وجه الخصوص في الجانب المرتبط بحالة حقوق الإنسان التي نعلم ولا نختلف في كونها متردية، بل والتسويق الإعلامي لها كأنهم يريدونها كدرع وغطاء سياسي لما يقع في بلدانهم؟
سؤال كذلك متعلق بمصادر ومراجع هذه التقارير؟ وهو سؤال مرتبط ارتباطا وثيقا بالمنح البحثية الضخمة والمغرية المخصصة بشكل حصري لشباب وباحثي دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
سؤال يجعلنا نعيد النظر في رؤيتنا لطبيعة ومصداقية المنظمات الدولية المصدرة لهذه التقارير؟ فرغم أن منظمة العفو الدولية في حالتنا هاته تعد المنظمة الوحيدة المعلوم مصدر تمويلها الوحيد وهو منظمة الأمم المتحدة، إلا أنها تفتقد الموضوعية العلمية بشكل كبير .

سؤال مرتبط كذلك بتداعيات الانسياق وراء هذه التقارير الغَنِية بالنواقص والعيوب والثغرات، والتي لا تقدم الصُّورة مكتملة للمجتمعات، في إطار الحرب النفسية التي تستهدف أساسا فئة معينة من الشباب الباحث قصد تأطير تدميري من خلال فخ الاعتراف الجزئي بإنجازات هذه الأنظمة وتنقيطها على ذلك، وبخس مجهوداتها التي تحاول من خلالها إرضاء المنتظم الدولي بالدرجة الأولى، ووضع أحسن وسائل للتبرج للظهور بصورة منمقة ومبهرجة، حتى وإن اضطرت في ذلك للتنكر لأعرافها وعاداتها بل ومجتمعها تحت غطاء حرية الرأي والتعبير والمبادئ الكونية.

الحل بيد هذه الأنظمة التي يجب أن تتمسك باستقلاليتها وتمضي قدما في إصلاحاتها التي تتماشى مع هويتها والتي يجب أن تعد لها العدة لاسيما في الجانب المرتبط بمجال حقوق الإنسان -موضوع التقرير، من خلال رفع تحدي محو الأمية الحقوقية والاشتغال على منظومة كونية شمولية لا تضيع فيها مرجعيتنا الدينية والعرفية.