لهذه الأسباب اختار المغاربة الفقه المالكي
  • سعيد السلماني
الخميس, 19 تشرين1/أكتوير 2017

لهذه الأسباب اختار المغاربة الفقه المالكي

كلمة لا بد منها: في الحاجة الى التعايش ونبذ العنف

لا يختلف أحد اليوم في شتى حقول المعرفة العلمية أننا أصبحنا في أمس الحاجة إلى ترسيخ فن التعايش في  مجتمعاتنا الاسلامية، نظرا للتحديات الراهنة التي يشهدها العالم الإسلامي، أبرزها: العنف العارم الذي أضحى مبررا دينياً عند بعض الجماعات التي فقدت البوصلة الفقهية، وقد ينحو نحواً آخر فيصبح عنفاً شاملا مهلكا الحرث والنسل، وبمسميات عدة؛ دينية أو لغوية أو هوياتية...مع العلم أن هوية المؤمن أساسا غير قتالية، بل تراحمية وإحسانية...إنها تعني كما حددها أحد المصلحين: "أن يوثّق صلتَه بربه سبحانه وتعالى، وأن يبدي كمال التقدير والتوقير لمفخرة الإنسانية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بما يليق بمنزلته عليه الصلاة والسلام، وأن يؤدّي ما يقع على عاتقه من وظائف فردية أو أسرية أو اجتماعية على الوجه الأمثل، وأن يسعى جاهدًا لتكون حياتُه كلّها على هذا المنوال"[1].

إن الهويات القتالية للناس من السهل جداً استثارتها ودفعها نحو العنف والفوضى، لكن من الصعب جدا ردها إلى الصواب واستثمارها في البناء والازدهار. إن التحديات كبيرة والمسؤولية عظيمة، ومما يزيد من ثقل هذه المسؤولية وضرورة الاستجابة، ما يشهده واقع الأمة الاسلامية من تشتت وتنامي الصراعات الطائفية والعرقية والمذهبية واللغوية...حتى أصبح "الانسان المسلم قنبلة موقوتة، وبعبع يجب الحذر منه، وفي أي لحظة يمكن أن ينفجر. ومما لا شك فيه، أن هذه الخرافة أصبحت حقيقة، رغم أن الغالبية العظمى الذين يحملون صفة "مسلم" يستنكرون مثل هذه الأعمال المدمرة"[2]. إضافة إلى ذلك، أن "الاعلام يميل الى التركيز على مثل هؤلاء الناس والجماعات مقابل تهميش 99.5 بالمائة من المسلمين الذين يرفضون هذه الجماعات المتطرّفة، الأمر الذي يشوه الصورة العامة للإسلام"[3]. إن الترسانة الإعلامية لها كل القدرة على فبركة الحقيقة، وعليه يمكننا القول: إن من يملك الإعلام يمتلك الحقيقة، بل يصنعها ويتحكم في تفاصيلها.

وإن جزءا كبيرا من هذا التضارب والانفلات نحو العنف يرجع في أساس كبير منه إلى هذه الآلية الاعلامية الخطيرة الغير المؤطرة بالقيم الدينية السمحة التي بها تنضبط سلوكيات الأفراد في المجتمع المسلم، وتعزيزاً لهذا الطرح نورد قول ملك المغرب "محمد السادس" الموجه إلى أشغال المؤتمر حول "حقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية .. الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة" الذي افتتحت أشغاله بمدينة مراكش بتاريخ؛ 25 يناير 2016. إذ يقول: "إن عالمنا اليوم في حاجة إلى قيم الدين لأنها تتضمن الفضائل التي نلتزم بها أمام خالقنا رب العالمين والتي تقوي فينا قيم التسامح والمحبة والتعاون الإنساني على البر والتقوى. إننا نحتاج إلى هذه القيم المشتركة، لا في سماحتها وحسب، بل في استمداد طاقتها من أجل البناء المتجدد للإنسان وقدرتها على التعبئة من أجل حياة خالية من الحروب والجشع، ومن نزعات التطرف والحقد، حيث تتضاءل فيها آلام البشرية وأزماتها تمهيدا للقضاء على مخاوف الصراع بين الأديان"[4].

إن ترسيخ مثل هذه القيم يحتاج اليوم إلى درس فقهي حي متعالي عن التجريد والافتراض، تنضبط به حياة الإنسان وفق هدي الشريعة الاسلامية وتوجيهاتها. وقد اتفق العديد من الباحثين أن مثل هذا الدرس قعّد أصوله الامام ملك رحمه الله وثبّتوا أركانه من بعده تلامذته، فإلى أي حد استطاع هذا الفقه الذي أخذ به المغاربة أن يضمن وحدة المجتمع المغربي من التشرذم والانحراف نحو الطائفية المقيتة؟ وما دوره في تعزيز السلم والتعايش؟ ما خصائصه وما مميزاته؟ ولماذا اختاره المغاربة؟

لماذا اختار المغاربة الفقه المالكي؟

إن المغاربة كغيرهم من شعوب المجتمعات الاسلامية تقلبوا يمينا وشمالا في المذاهب الفقهية والعقدية، فقد عرفوا المذهب الحنفي وتمذهبوا به، وأخذت إمارة بني مدرار بسجلماسة بالمذهب الخارجي، وعرفت المذهب العقدي جهات عديدة من المغرب. وقد عانى المغرب انقسامات وحروبا لمدة ثلاثة قرون، بسبب هيمنة المذهب الخارجي الذي كان من شأنه التوجه الى الغير بدعوى الكفر طرداً لأصلهم في تكفير فاعل الكبيرة[5].

وفي ظل هذا الخلط المذهبي والتضارب الاجتماعي كان المذهب المالكي في الأندلس وإفريقيا يحقق تقدماً وازدهاراً، وبدون الدخول في كيفية انتشار المذهب في المغرب وعلى يد من دخل، نقول بشكل مباشر إن علماءنا الأجلاء قد حققوا في المسألة، فقرروا أن الذي "اجتذب المغاربة الى المذهب المالكي ليست دواعي عارضة أو اعتبارات ظرفية هي آتية بالصدفة، وإنما هي أسباب ودواع ترجع إلى خصائص المذهب المالكي"[6]. هذا يعني أن المغاربة اختاروا فقه مالك عن وعي وتبصر وإدراك حقيقي لمزاياه بعد أن جربوا غيره من المذاهب، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن فقه مالك حي ومرن وله خصائص ومميزات تجعله قادراً على ضبط حركة المجتمع مهما تسارعت وتيرة تطوره.

خصائص ومميزات الفقه المالكي:

إن خصائص الفقه المالكي كثيرة ومتعددة نجمل أهمها في الآتي:

أ ـ الدرس الفقهي المالكي درس حي يراعي المصلحة التي هي مبنى الشرع الاسلامي كله.

ب ـ يأخذ بالحيطة والحذر من الوقوع في الانزلاق نحو الضلال ولانحراف، وذلك بسد كل ذريعة مؤدية إليه.

ج ـ الرغبة في جمع الشمل والابتعاد عن تعميق الخلاف، وذلك عن طريق رعاية الخلاف المؤسس على سند معتبر.

د ـ قدرته على إيقاف الشذوذ الفكري والعقدي، وذلك بسبب انتظامه لمقررات العقيدة السنية وتصديه لأهل البدع والأهواء والنحل، فقد كان مالك رحمه الله أشد بغضا لأهل البدع و كان كثيرا ما يتمثل بقول الشاعر :

و خير أمور الدنيا ما كان سنة ****  و شر الأمور المحدثات البدائع

وهل بإمكاننا في هذه العجالة أن نتتبع كل ما نقل عن مالك في قضايا العقيدة، ذلك يستدعي أن تفرد له كتابات خاصة، وحسبنا أن نشير إلى أن الآخذ بالمذهب المالكي كان يعني فيم يعني الأخذ بكل تلك الحقائق العقدية، وهو ما كان يشكل قاعدة عقدية تمنع فشو الانحرافات والضلالات العقدية التي تؤدي إلى تمزيق المجتمع وتضارب فئاته. وهذا يرجع بالأساس إلى سعة أصوله وعمقها، وكثرة قواعده ودقتها، وتعدد الأقوال الفقهية والآراء الاجتهادية لعلمائه وغيرها من الخصائص، مما جعله أغنى المذاهب الفقهية. مثل هذه الخصائص وغيرها من الأهداف والمقاصد، هي التي طبعت المجتمع المغربي بمزايا عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر:

ـ الوحدة العقدية والحيوية الفقهية التي تؤطر كل المستجدات التي تطرأ على المجتمع، ويتجلى ذلك، في رحابة صدره و انفتاحه على غيره من المذاهب الفقهية والشرائع السماوية السابقة واعترافه بالجميع واستعداده للتعايش معه والاستفادة منه بفضل قاعدة: "شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ" التي اتخذها مالك أصلا من أصوله التي بنى عليها فقهه.

ـ القدرة الفائقة على إيجاد أجوبة وحلول لكل النوازل، وذلك بإعمال الأصول التي انبنى عليها المذهب، حتى أصبحت من مآثره ومفاخره. فقد قال محمد أبو زهرة في معرض بيانه لمزية المذهب على غيره..إننا نقول إن الأمر لا يحتاج إلى تبرير ودفاع عن كثرة أصول المذهب المالكي، لأن تلك الكثرة حسنة من حسناته، يجب أن يفاخر بها المالكيون لا أن يحملوا أنفسهم مؤونة الدفاع، ولذلك نحن نرى أنه أكثر المذاهب أصولا[7]. وهو الذي يقول أيضاً في موضع آخر، "إنا لنقر غير مجازفين أنه – المذهب المالكي – مذهب الحياة و الإحياء قد اختبره العلماء في عصور مختلفة، فاتسع لمشاكلهم، و اختبره علماء القانون في عصرنا الحاضر فكان مسعفاً لهم في كل ما يحتاجون إليه من علاج، وإنا نسند ذلك إلى مجتهديه و كثرة أصوله ونوع الأصول التي أكثر منها وسيطرت على التخريج فيه." إن هذا التعدد في الأصول التي استند اليها الفقه المالكي في استمداد الأحكام قد أكسبه قدرة فائقة على التعامل مع الوقائع، وهيّأه لأن يجد الحلول للمشاكل اليومية أكثر من غيره.

قد يقول قائل لم إلزام الناس بما لا يلزم وحشرهم في زوايا فقهية ضيقة، وإسلامنا أوسع وأرحب...؟

في هذه الحالة سنجد أنفسنا لا محالة نتحدث عن الفتوى ومعالمها، ومن ثم فإن الحديث عن الفتوى هو في الحقيقة حديث عن أبرز موجه لحركة المجتمع الاسلامي الذي يسعى أفراده إلى ان تكون تصرفاتهم منسجمة مع هدي الشريعة. إن الافتاء يعني بالنسبة للإنسان المسلم مشروعية الفعل وإمكانية الاقدام عليه، ولذلك كانت النتائج القيمة التي تترتب على الفتاوى الصحيحة، كما أن نتائج أخرى وخيمة كانت تترتب على الفتاوى الخاطئة التي يصدرها غير المؤهلين، لهذا نجده صلى الله عليه وسلم وهو سيد المفتين يحدد جهة الاختصاص المخول لها ممارسة الافتاء والقضاء بقوله: أقضاكم علي، وأفرضكم زيد، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأقرؤكم أبي[8].

وبعدما دانت الأرض للإسلام وتفرقت الأمصار، وانتشار الصحب الكرام، وظهور تيارات فكرية وعقدية شتى، كان لزاماً صيانة الوحدة الفكرية والعقدية للأمة فاشتهر من المذاهب أربعة. وإن دعوة المغاربة للأخذ بالمذهب المالكي التي رأى فيها البعض أنها إلزام الناس بما لا يلزم، ليست إلا عملا يراد به صيانة العقيدة قبل الفقه أولا، ثم توحيد القضاء والفتوى في تدبير الأمور، خصوصاً حينما يعلم أن الحياة المدنية كلها كانت تقاد وتضبط بالفقه، فلم يكن صواباً أن يختلف القضاة في الأحكام فيحكم هذا بلزوم الحبُس مثلاً، ويحكم الآخر بعدم لزومه، ويحكم هذا بجواز التفاضل في غير الأموال الربوية الستة، ويمنع ذلك آخرون في الأقوات أو الأطعمة، أو في كل المكيلات والموزونات إذا بيعت بأجناسها، ولو أن الأمر ترك لاختيار المفتين والقضاة لأدى ذلك إلى اضطراب شديد، لا تستقيم الأوضاع الاجتماعية معه[9].

فحمل المغاربة إذن، على فقه مالك دون غيره مع التأكيد على أنه منفتح على جميع المذاهب السنية الأخرى، لم يكن إلا نوعاً من تقنين الأحكام الفقهية لنقلها من مستوى الفتوى غير الملزمة إلى مستوى الحكم الملزم، وهذا فيه تيسير وجمع للشمل وعصمة من الانزلاق نحو الانحرافات والضلالات العقدية التي تؤدي إلى تمزيق المجتمع وتضارب فئاته، وتركيز الجهود على التنمية والتقدم والازدهار. بالإضافة إلى أن مذهب مالك كما يقرر ذلك الدكتور محمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ في كتابه: "مراعاة الخلاف في المذهب المالكي وعلاقتها ببعض أصول المذهب و قواعده" يحتل المذهب المالكي المرتبة العليا والمقام الأسمى بين المذاهب الفقهية المتبعة، فهو أصحها أصولا و أكثرها فروعا و أشملها قواعد وأوسعها مقاصد وأكثرها مرونة وواقعية، وأقربها لحياة الناس وأكثرها ملاءمة لفطرتهم وطبائعهم وهذا شيء شهد به المنصفون.

إن هذه دواعي موضوعية عقلانية حرة دفعت المغاربة لاختيار الفقه المالكي. وإذا أردنا إيجاز هذه الدواعي نجملها في الآتي:

  • انتظام الفقه المالكي لمقررات العقيدة السنية وقدرته على إيقاف الشذوذ الفكري والعقدي.
  • واقعية ورحابة الفقه المالكي وقدرته الفائقة للإجابة على النوازل والمستجدات.

نخلص مما سبق الى القول: إن المذهب المالكي يشكل بأصوله وفروعه تجليا كبيرا ورافدا هاما من روافد الثقافة الإسلامية بمختلف أبعادها الدينية والاجتماعية والاقتصادية، إذ هو منظومة إنسانية متكاملة لما امتاز به من أصول تتأسس على مراعاة أحوال الناس في معاشاتهم اليومية ومحاولة معالجة قضاياهم ومشاكلهم عبر إيجاد الحلول للنوازل الطارئة والمستجدة في أحوالهم. كما أننا نؤكد على أن المذهب المالكي الذي يعد من اختيار المغاربة منذ عصور متتالية يعتبر ضامنا للاستقرار، ومؤكدا على مسألة التعايش ونبذ التطرف وتحقيق التقارب والانفتاح على المذاهب الأخرى، فالمذهب المالكي بكل ما يتسم به من مرونة وقابلية للتكيف مع المستجدات والمحدثات كفيل بأن يحقق الوحدة العقدية ويعطي للدولة هيبتها، ويضمن لها الأمن والاستقرار، وهذا ما يجعل المغاربة يتشبثون بالمذهب المالكي لمراعاته مختلف السياقات المعاصرة.

الهوامش: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ذ. سعيد السلماني/ المغرب

[1]  كولن فتح الله، التدين الحقيقي واكتساب الهوية السليمة، عن موقع،  http://www.herkul.org/

[2]  السلماني سعيد، الاسلام دين المستقبل؛ رؤية عالم المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة. http://www.cmerc.ma/index.php/2016-09-07-11-46-36/2016-07-18-08-26-26/286.html

[3] فتح الله كولن، جريدة الشرق الأوسط، 24-25 آذار/مارس 2014م. http://www.fgulen.com

[4]  موقع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية؛ http://www.habous.gov.ma/

[5]  مصطفى بن حمزة، بحوث فقهية، دار الأمان، ط، 2010، ص، 23.

[6]  ابن حمزة، نفس المرجع، ص، 24.

[7]  نفس المرجع السابق، ص، 36.

[8] نفس المرجع، ص، 13.

[9]  ابن حمزة مرجع سابق، ص، 33.