إما أن يعيش المرء "لأجل" السياسة، أو أن يعيش "من" السياسة
  • الدكتور عبد الحفيظ اليونسي
الثلاثاء, 31 تشرين1/أكتوير 2017

إما أن يعيش المرء "لأجل" السياسة، أو أن يعيش "من" السياسة

إما أن يعيش المرء "لأجل" السياسة، أو أن يعيش "من" السياسة. ماكس فيبر: العلم والسياسة بوصفهما حرفة ص275

لنتفق في البداية أنه لا ديمقراطية بدون أحزاب سياسية، وفي المتن الدستوري، الوثيقة التي تتميز بالسمو والالزام لكل المؤسسات التي ينص عليها وينظمها، نجد وظيفة الحزب تتمثل في تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي،وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، والمساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة. 
هي وظائف حيوية تجعل من الحزب السياسي يلعب دور الوساطة بين الشعب ومتخذ القرار ومنفذ السياسات والبرامج. الوساطة ليست وظيفة عادية أو بسيطة، بل تنزيل لروح وهدف الديمقراطية وهي التعبير السلمي عن المطالب والتداول في حالة المغرب على تدبير جزء من السلطة والحكم وفق هندسة دستورية مؤطرة باعراف فوق دستورية ووفق موازين قوى على أرض الواقع، ممثلة أساسا في من يمتلك الثروة وحق استعمال العنف المشروع.
من هنا تأتي أهمية الحفاظ على قوة وحيوية واستقلالية وجاذبية الحزب السياسي للاضطلاع بهذه الأدوار، ومن العادي أنه في ظل الدولة السلطوية لأن يتم استهداف هذه الالية بغرض اجهاض أي محاولة انتقال ديمقراطي، وهو الاستهداف الذي يأخذ مسارات ناعمة تتجلى في المحاصرة القانونية والمالية وشراء النخب الحزبية ومن تم ضرب مبدأ الاستقلالية، أو مسارات عنيفة من قبيل الاعتقالات وتشويه سمعة القيادات الوطنية والمحلية أخلاقيا أو في ذمتهم المالية وغيرها من الأساليب التي تبدع فيها الدول السلطوية. 
في هذه اللحظة المصيرية التي تجتازها البلاد سواء تعلق الأمر بوحدته الترابية وتنامي تنوع الاستهداف اخرها حكم محكمة الاستئناف الأروبية، واحتجاز سفينة محملة بالفوسفاط بجنوب افريقيا، أو بوضعه الداخلي لأنه في اعتقادي لا فرق بين خطاب السكتة القلبية للحسن الثاني رحمه الله سنة 1995 وخطاب الملك في افتتاح البرلمان وحديثه عن "فشل" النموذج التنموي وضرورة التفكير في نموذج تنموي جديد، هذا الخطاب يلخص خطورة الوضع اقتصاديا واجتماعيا في ظل حالة انهاك شديدة تعرفها الحياة السياسية المغربية.
هذه بعض المؤشرات فقط تتطلب من الجميع- بعيدا عن أي خطاب مجرد أوعاطفي أو وعظي - الترفع عن الأنا التنظيمية والتفكير في المغرب الدولة والشعب والسيادة.
الاكيد ان حزب العدالة والتنمية معني اكثر من أي وقت مضى بالنظر الى الأمور في كليتها وإعطاء النقاش التنظيمي الداخلي حجمه الطبيعي بالاستناد الى قواعد ذهبية هي نتاج تحولات كبيرة بدأت منذ 1978 ألى اليوم أي أربعين سنة من النقاش والتداول والاختلاف بين أعضاء هذا المشروع(الذي كان يأخذ اشكالا من قبيل التراشق بالكؤوس بدل الفايسبوك اليوم)، هي إذن قواعد محددة وموجهة لا بد من الاستناد اليها والامتثال لها، وهي من كثرة سماعها وتداولها يتم تغييب معناها، وتحقير فحواها)
أولأ: حزب العدالة والتنمية حزب اصلاحي دي مرجعية اسلامية يتبني العمل السلمي والعلني من داخل المؤسسات، أي أن البجيدي ليس حزبا ثوريا أو راديكاليا أو سريا، وهو الاختيار الذي لا يزال يتعرض للاستهداف من داخل من يقتسمون معه المرجعية قد تصل الى حد التكفير استنادا الى تفسير مبدأ الحاكمية وفي الحالة الاخرى التسفيه من حيث ضعف النتائج المتحصل عليها نتيجة هذه المشاركة.
واستهداف خارجي من قبل جهات استئصالية من داخل الدولة تعبر عن نفسها من حين لآخر تطالب بحل هذا الحزب وهي دائمة التشكيك في ولاء الحزب وفي مغربيته، وتستثمر في النقاش ذو الطابع الهوياتي لتخويف أطراف في الدولة والمجتمع من هذا "الحزب الظلامي ذو الخطاب المزدوج والذي يعتمد التقية".
2 حزب مغربي ووطني: 


يؤمن بالثوابت الجامعة للآمة المغربية والتي هي الدين الإسلامي وتمثلاته في الدولة والمجتمع والوحدة الترابية والملكية والإختيار الديمقراطي واستعداده الدفاع عنها. وحزب مغربي ليست له امتدادات تنظيمية مع أي جهة خارجية خصوصا عنوانها الأبرز الاخوان المسلمين، وبطيبعة الحال فالجهات الاستئصالية تخلق نقاشا دائما في هذا الموضوع وكيف انتظرت نتيجة التحقيق البريطاني بخصوص الجماعة لاسقاطه داخليا على الحالة المغربية، كما تنتظر اليوم وغذا ادراج الجماعة في لائحة ترامب للجماعات الإرهابية ليبدأ بعدها تسخين الاجواء وتسميمها.
3 حزب يتطور فكريا مؤسساتيا:
هل من العادي ان يفوز حزب سياسي باستحقاقين انتخابيين وبرهانات كبيرة في ظرف سنة واحدة؟ بالطبع الإمر ليس عاديا وهو يعكس حيوية تنظيمية وحرفية عالية في تدبير ملف الانتخابات، أيضا الحضور الجغرافي المهم للحزب والدور المؤثر لإمينه العام ، الذي لولا تواجد المناضلين على الإرض بما يمثلونه في مساراتهم الحياتية وارتباطهم بالناس من قيم المعقولية والقرب من الناس، لما كانت النتيجة كما هي في نونبر 2015 أو اكتوبر 2106.
هذا الرصيد المجتمعي المهم سيكون جريمة في الحق المغرب ومؤسساته، تبديده في صراع لو اخذنا مسافة منه سيتضح أمه لا يرقى الى حجم التحديات التي تعرفها البلاد. 
إن من بين نقط قوة حزب العدالة والتنمية هذه القدرة على استيعاب التحولات والاستفادة من تجارب الخارج سواء تعلق الأمر بتونس 1989 أو جزائر 1991، وغيرها من التجارب، في مسار حركة الاصلاح والتجديد والمستقبل الاسلامي والجماعات الصغيرة الأخرى ومسار حزب العدالة والتنمية تم التأسيس لمبادئ ناظمة لتسييره الداخلي وأصبحت ديمقراطيته الداخلية ماركة تسويقية في السوق السياسي المغربي، هذه الديمقراطية الداخلية تستند على مبدأ مهم هو الاختيار، وهل الديمقراطية غير مبدأ الاختيار وحرية القول؟، وهو المبدأ الذي ترجم في مقولة حرية الرأي والزامية القرار. 
السقوط في الوقائعية والقيل والقال والانتصار للنفس والغمز واللمز من افات الرجال وإن سمت مقاماتهم ومكانتهم. والحقيقة أننا نحتاج في هذه المرحلة الدقيقة الى التحليل الملموس للواقع الملموس، بدل نقاش الرجم بالغيب، ومصادرة حق الناس في القول والاختيار.
لقد ربط امارتيا صن في كتابه السلام والمجتمع الديمقراطي بين الديمقراطية وحرية التعبير ولخص ذلك في فكرة " الحكم بالنقاش"، لنكن متفائلين بهذا النقاش الجيد منه والسيء، داخل المؤسسات وخارجها، ولنعطي مجمل القضايا حجمها الطبيعي دون إفراط ولا تفريط، حينها سيكون أي موضوع بما فيه - الولاية الثالثة - مجرد هامش في متن التحديات التي تواجه بلادنا داخليا وخارجيا، ومدى أهمية الحفاظ على الاداة للاضطلاع بالدور التاريخي.