الأستاذ امحمد الهلالي يكتب: السياق الدولي بين التفكير السنني والتفكير الطفروي
  • امحمد الهلالي
الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017

الأستاذ امحمد الهلالي يكتب: السياق الدولي بين التفكير السنني والتفكير الطفروي

درج المنهج الإصلاحي على استخدام مجموعة من المفاهيم والآليات، سواء في الوعي بمحددات اللحظة التاريخية أوفي قراءة الواقع واستيعاب تحولاته أو في استشراف الآفاق في مآلاته وتطوره .

لقد كان "السياق الدولي" من أبرز المفاهيم المميزة للتفكير السنني والإنجاز التراكمي المتدرج، وعلامة بارزة على مفارقته للمنهج الطفروي والتفكير القطائعي المغامر .

لذا فالإعتبار "بالسياق الدولي"، كان دائما من أهم معالم التجديد في النظر والتحليل، التي تمايزت عن القراءة النصوصية باعتبارها تنظر إلى الواقع، ليس في تفاعلاته ومن خلال المفاعيل المؤثرة في سيروراته، وإنما من خلال فعل اسقاطي للنصوص على طوارئه ونوازله في ما سمي بالمقاربة التأصيلية .

السياق الدولي في خريطة المفاهيم الإصلاحية

فمن جهة الخريطة المفاهيمية؛ ينتمي مفهوم "السياق الدولي" إلى قاموس فكري اصلاحي، جرى التعبير عنه بمجموعة من المصطلحات منها "موازين القوى" والإعتبار "بالتربصات الخارجية والداخلي"؛ حيث اوردت الرؤية السياسية لحركة التوحيد والإصلاح هذا العامل ضمن الأسس والمرتكزات، التي يقوم عليها منظورها للإصلاح قدمت تحليل لعلاقة الداخل بالخارج واستهداف الدول الضعيفة في سيادتها وأثر التدخلات الخارجية المتقاطعة مع مصالح الدول الكبرى والضغوطات الصهيونية في القرارات الداخلية للدول، انتقلت إلى تحليل ووضع "الحركة الإسلامية باعتبارها تجسد طموح الأمة في تحقيق أصالتها، واسترداد عزتها واتي كانت وستبقى مستهدفة من أعداء الأمة الذين يعملون على الإيقاع بينها وبين الحكام، وبالتالي يشغلونها عن مهام الدعوة والتربية والمساهمة في البناء الحضاري." من هنا تكون مراعاة هذه التربصات الخارجية والداخلية من صميم التفمير السنني والتنمب عن ذلك هو محض تفكير طفروي لا علاقة لمنهجنا به .

السياق الدولي والتفكير السننني

من الناحية المنهجية؛ فينتسب السياق الدولي والمفاهيم المرادفة له إلى طرائق في التفكير تم التعبير عنها أصوليا ومقاصديا بفقه الموازنات وفقه الترجيح بين المصالح والمفاسد، ثم فقه المآلات ومنهج التقريب والتغليب .

وعلى الصعيد الفقهي؛ ينتمي "السياق الدولي" إلى منظومة من قواعد المتعلقة بفقه تغيير المنكر وفقه الاستطاعة خاصة قاعدة عدم جواز تغيير منكر إذا كان ذلك يؤدي إلى منكر أعظم منه .

وفي الرؤية القرآنية؛ تم استخدامه ضمن مفاهيم السير في الأرض والإعتبار من سير الأولين والاستبصار بسنن التاريخ ونواميس الوحي المنظور، أوغيرها من المصطلحات التي تنتمي إلى فقه عمراني استخلافي، يجمع بين القراءتين قراءة الوحي المكتوب وقراءة الوحي المنظور وذلك للتعبير عن هذه الحقيقة التاريخية والاجتماعية .

وفي اللغة المعاصرة؛ "فالسياق الدولي" يعتبر المرادف لمفهوم "ميزان القوى" و"توازن الردع" في لغة الجيوبوليتيك والعلاققات الدولية.

ومن هذا المطلق، "فالسياق الدولي" أو "موازين القوى" أو الاعتبار "بالتربصات الخارجية والداخلية" كلها مفاهيم سيكون إعمالها من صميم منهجية التفكير السنني، ومن صميم الرشد والتبصر والنضج السياسي، وأي تنكب عن ذلك لا يعد سوى عين الغي والتنطع بلا جدال.

ولهذا فان استحضار "السياق الدولي" في قراءة راهننا المغربي واستشراف مآلات تجربتتنا الإصلاحية، يجد مبرره -فضلا عما ذكرناه أنفا- في مجموعة من العوامل والتي يمكن إجمالها على النحو التالي :
1 - كون السياق الدولي أو موازين القوى ليست في صالح القوى الإصلاحية وتوفر مناخات مناهضة للمشاريع الاصلاحية؛ بل أكثر من ذلك فهي في خدمة القوى المضادة، ومشاريعها الارتدادية، ليس لجهة قوة ذاتية وبطش لدى قوى الفساد والاستبداد أولجهة ضعف ذاتي لدى القوى الإصلاحية أو لجبن يعتريها أو ايثارا لسلامتها الشخصية؛ ولكن بالإساس لكون السنن التاريخية والسيرورات الحضارية، تقتضي إعمال منهج الصمود والحفاظ على المكتسبات في زمن الارتدادات والتراجعات .
2- الصمت الدولي المريب والتواطؤ المكشوف ليس فقط بالنسبة للقوى الكبرى المؤثرة والفاعلة في هذا السياق الدولي، والمحكومة بمصالحها أو باعتبارها متضررة من أي تغيير غير محسوب وحسب؛ ولكن لصمت صناع الراي ودعاة الديموقراطية وحقوق الإنسان وأصحاب القيم الكونية، الذين يقفون متفرجين على جرائم ممنهجة وابادات جماعية وتقتيل على الهوية واغتيالات ميدانية للنشطاء والسياسيين ورجالات العلم والفكر والإعلام لمجرد انتسابهم إلى مدرسة فكرية مختلفة عنهم ومتمايزة عن نمطهم المركزي في الحياة والتفكير .
3- خصوصية الحركة الإسلامية المرشحة أكثر من غيرها لتكون ضحية لهذا البطش، وهذا الصمت والتواطؤ إما بداع تنافسي أو بدوافع إديلوجية أو لأسبابب مصلحية أو لعوامل مرتبطة باحقاد استئصالية .

وإذا كان ها يصدق على قوى الإصلاح في جملتها، فإنه بالنسبة إلى حركة إسلامية مشاركة ووسطية أكيد واوجب لإنها في عرف السياق الدولي محاطة بظروف تشديد اأبر، لاسيما إذا كانت من التيار الوسطي المشارك، الذي تروج عنه صور نمطية بحسبانها محسوبة على الإخوان المسلمين، الذين تنصب لهم المشانق وتتسارع الخطى لتثبيتهم على قوائم موسومة بالإرهاب في العديد من الدول الغربية والخليجية وذنبها الوحيد هو تمثيلها للإرادة الشعبية الثورية .

وفي هذا الصدد، فإن استحضار السياق الدولي لا يندرج ضمن تحليل يصيب أو يخطئ، ولا مجرد محاولة لاستشراف المستقبل قد ينطوي على ضرب من الظنون وألوانا من التكهن والتنجيم، ويمكن أن يتم احتساب هوامش الخطأ فيها وحسب؛ ولكنه أضحى اليوم واقعا أكثر من ملموس وتاريخ أكثر من متعين ومحسوس ووقائع مشاهدة، حيث نعيش فصوله الدراماتيكية في أزمنة وامكنة قريبة وسابقة لنا أو مجاورة لمحيطنا.

فغير بعيد عنا في تاريخنا المعاصر، رأينا مصير عدم استحضار السياق الدولي وموازين القوى بالنسبة للتجربة اليسارية الراديكالية، التي تحولت إلى "حلم وغبار " ودفن أبطالها "بلا مجد". وذلك بعد أن ملاأت سمع الناس وبصرهم في الثانويات والجامعات والجمعيات والنقابات .

وتابعنا أيضا مآل تجربة حركات إسلامية، بلغت جماهيريتها وشعبيتها عنان السماء وحولها تصادمها مع السياق الدولي المناهض لها إلى أثر بعد عين، وما زالت جراحاتها لم تندمل بعد واضرارها لم تنجبر إلى اليوم. ومنها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الحزائر وحركة النهضة في تونس في مطلع تسعينياتت القرن الماضي، وحركة الإخوان المسلمين في هذا العصر بعد أن أوصلتها الإرادة الشعبية الثورية إلى سدة الحكم ونالت الثقة الشعبية في ست استحقاقات انتخابية متتالية.
وقد شكل عدم مراعاتها للسياق الدولي المحيط بها، وعدم احتساب موازين القوى في اتخاذها لبعض القرارات، رغم أنها من صميم استقلال قرارها وتجسيدا لإرادة قواعدها، أبرز ماخذ لنا على مسلكياتها؛ فالسنا نكرر اليوم بالدعوة إلى القفز على السياق الدولي نفس ما أخذ به غيرنا من ملاحظات نقدية وفي ظروف مشابهة .

من هنا، فان ما شكل عنصر تميز وتمايز للتجربة المغربية في الحركة الإسلامية هو اعتبارها "بالسياق الدولي" وبموازين القوى؛ وبفضل ذلك تم التفاعل مع سنن التاريخ ونواميس الكون في الظاهرة النفسية وفي الظاهرة الاجتماعية وفي الظاهرة السباسية أيضا. وبفضل ذلك إلى جانب عوامل أخرى تم تحت التجربة الإصلاحية المعاصرة.

وفي هذا الصدد وتنزيلا لمقتضياته، تمكن حزب العدالة والتنمية بقراءته الواعية لمفاعيل ميزان القوى، وتحولات السياق الدولي ببعده الإقليمي والكوني، من فهم تمايزات المغرب عن بقية الدول التي شهدت سقوطا لرأس النظام فيها أو انهيارا للدولة فيها، وبفعل ذلك تم ابداع تجربة "الإصلاح في ظل الاستقرارر"، بما هو حصيلة التقاء إرادتين: الأولى في الشعب؛ حيث لم ترفع شعارات راديكالية ومتجذرة، والثانية في الدولة؛ حيث لم يتم الاحتكام إلى السلاح للرد على حراك الشارع، وبذلك تم المرور بسلاسة الى اصلاحات دستورية وسياسية، أنتجت النموذج المغربي الذي لقي ترحيبا دوليا كبيرا واصبح له اشعاع تجاوز حدوده الداخلية والإقليمية .

وبفضل ذلك أيضا تميز هذا النموذج بعناصره المتفردة، التي ساعدته على الصمد في وجه محاولات الإجهاز عليه ومساعي إغلاق قوسه، عندما استعادت الثورة المضادة زمام المبادرة من جديد وحاولت تصدير نموذجها المصري في صيغه المختلفة في حركات " تمرد" وجبهات الانقاذ الحزبية وبرامج الإعلام التحريضية، والفضل في هذا الصمود، يعود كذلك إلى استمرار مراعاة السياق الدولي وموازين القوى وعدم التصادم مع العوامل السلبية في هذا السياق الدولي، ومنها على وجه الخصوص المناخ الدولي والإقليمي المعادي للحركات الاسلامية؛ والموجة الاستصالية الجديدة التي اطلقتها دول اقليمية ومولتها جهات خليجية متوجسة ومحاولات اقتناص الفرصة من الجناح غير الديموقراطي في الدولة الرافض للاندماج السياسي السلس للإسلاميين المناهض لمشاركتهم السياسية والراعي لمشاريع تقليص نفوذهم وانهاء تصدرهم للمسهد السياسي في بلدانهم . كما أن عوامل صمود التجربة المغربية في وجه هذا المناخ المعادي، يرجع بالإساس إلى استمرار التقاء هاتين الإرادتين ورجحان ميزان الرشد والحكمة والتعقل لدى الفاعلين الأساسيين، وذلك بشكل متواز مع اسمرار المصلحة لدى الفاعلين المؤثرين في السياق الدولي نفسه في استمرار هذا النموذج وانتظار مخرجاته ووضعه تحت الاختبار بغاية تقييم مدى صلاحيته كخيار بديل يجمع في الآن ذاته بين احترام الإرادة الشعبية من جهة، وتوسيع هوامش المشاركة السياسية الشعبية، وبين عدم الإخلال بشكل مفاجئ ودراماتيكي بالتوازنات القائمة المرعية من القوى الفاعلة في السياق الدولي وذلك عوض الخيار الاستئصالي المنتهج في العديد من البلدان.

والسؤال الذي يتعين البحث عن أجوبة له هو هل نعي بهذه الحقائق أم نتجه إلى التصادم مع السنن والنواميس والموازين التي تحكم الظاهرة السياسية؟ أم أن ثمة خيار اخر هو الذي يقع في نقطة تمفصل بين الطروحات المغامرة والطروحات الإستسلامية والقدرية ؟ فهل نعتبر من هذا السياق الدولي أم نتجه بالتحربة إلى حتفها؟ وهل نفوت الفرصة كما تم تفويتها بعد تفحير الأغلبية ودفع حزب الاستقلال إلى الانسحاب منها في ظل السياق الدولي الذي أشرنا إلى معطياته؟ تلكم هي أهم الاستفهامات التي تدعونا إلى الاعتبار بالسياق الدوالي وبموازين القوى أو تؤدي بنا إلى القفز عليه وتجعله موضوعا للتنكيت والتنذر .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

امحمد الهلالي رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة