لمحة عن الجذور التاريخية لعلاقة الدين بالدولة في المغرب الأقصى
  • د. إدريس الشنوفي
الأحد, 03 حزيران/يونيو 2018

لمحة عن الجذور التاريخية لعلاقة الدين بالدولة في المغرب الأقصى

   

لمحة عن الجذور التاريخية لعلاقة الدين بالدولة في المغرب الأقصى

د. إدريس الشنوفي

باحث في التاريخ والحضارة

  

تمهيد:

في واقعنا البحثي الإقليمي والدولي المعاصر، وخاصة منه الغربي، يتزايد الاهتمام باطراد بدراسة مسألة العلاقة بين الدين والدولة وطبيعتها، والتي تتحكم في تبلورها عوامل تاريخية حاسمة. إن اللحظة التي نعيشها اليوم هي في جزء معتبر منها نتاج لسيرورة تاريخية معينة، وأي إصلاح وجب أن يأخذ هذه السيرورة في الحسبان، ومنه الواقع الديني وكيفية توظيفه من طرف الدولة المغربية على مر الزمن أثناء تدبيرها السياسي. فما طبيعة الدولة في تاريخ المغرب؟ وما الخلفية التاريخية لعلاقتها بالدين؟

        أولا : طبيعة الدولة في تاريخ المغرب

 1/ضيق مجال تداول السلطة: إن قيام السلطة على أساس قبلي يجعلها محصورة في أفراد معينين، أي أنها تصبح ذات طبيعة منغلقة واحتكارية، فالقبيلة التي تستطيع بسط نفوذها على المجال والسيطرة على الحكم، تبذل كل ما في وسعها لاستمرار التحكم عبر وسائل معنوية رمزية وأخرى مادية، وكذلك القضاء على القوى المنافسة والقبائل التي يفترض أن تشكل خطرا ولو في المستقبل، وإن تم توظيف الموارد البشرية لهذه القبائل ففي مجالات ووظائف محدودة لا تؤثر بالمطلق في مستوى تركيز وتمركز السلطة عند الأسرة الحاكمة.

يزداد انغلاق السلطة حينما تتجسد بالأساس في شخص الأمير، الذي يشكل الرئيس المباشر لكل شريحة، ويجسد مختلف أبعاد السلطة الدينية والإدارية والعسكرية والاجتماعية (إمام، شريف، أمير الجيش، منظم إداري، سيد يأمر الخدم...)، ويجب على الكل إعلان الطاعة والولاء، لكن هذا لا يمنع من وجود مراكز أخرى للنفوذ.  

تكاد تكون كل السلطات التي نشأت بالمغرب تميزت بالتمركز والاحتكار، نتيجة الاستبداد والتوريث وعامل القرابة والعصبية.  

       2 / ذاتية الحاكم وشخصنة السلطة: تحتاج مؤسسات وأجهزة القهر والتحكم في اشتغالها دوما إلى حاكم يحركها عبر قوته الذاتية، المتولدة عن ملكاته وقدراته الشخصية التي يتمتع بها، والتي تبرز مدى حسن تصريفه لشؤون الحكم. لذلك فإن مقدار عظمة السلطة مرتبط بمدى قدرة وأهلية الحاكم،[1] وما يمتلكه من خصائص فكرية وأخلاقية وعملية.

لكن الحاكم ليس بالضرورة أن تكون له قدرات شخصية وتدبيرية، إذ أن سلطته وراثية لا دخل فيها للشورى وحرية الاختيار. وإن لم تسعفه الأخلاق الحميدة المطلوب توفرها في الحاكم، كالكرم والضيافة والعطف وغيره، فعلى الأقل يجب أن يتظاهر بها، زد على ذلك، فإن السياسة تقتضي أن ينفرد بالمجد، وهو ما لا يتحقق إلا بالكبر والأنفة والأبهة.[2] "فلأجل أن يمارس الحاكم قيادة سياسية ويفرض طاعة الناس له، تتطلب السلطة مقدارا أكثر من الاعتيادي من التأثير النفسي (معاناة القلوب) وبكلمة أخرى، برغم أن احتمال استعمال القوة القاسية هو موجود دائما؛ إلا أنَّ هذا لا يعني وجوب أن تأتي طاعة الشعب دائما بسبب الخوف، بل يجب أن يقتنع الشعب بشرعية الحاكم".[3]

إضافة إلى ما سبق؛ فإن شَكْل السلطة وتطورها بالمغرب قد خضع لمؤثرات وظروف متعددة، خاصة منها المتعلقة بالأحداث السياسية والعسكرية، وبالشخصيات والمبادئ التي ساهمت بقوة في تحديد ماهيتها وخصائصها. فعملية تنظيم السلطة تبلورت بالموازاة مع عملية التوسع وبسط النفوذ على مجالات جديدة، وما يطرحه ذلك من تحديات في التدبير والتحكم، كما ارتبطت السلطة في تطورها بمبدأ الإصلاح، بمعنى أنها تظهر وتنمو وتتوسع نتيجة مناداتها وعملها على إصلاح الأوضاع المتدهورة، والقضاء على البدع والتشرذم عبر طريق واحد هو طريق الجهاد، لكنها - ومع الصيرورة الزمنية - تتراجع عن الالتزام بالمبادئ المثالية الحالمة التي أعلنتها ابتداء، وذلك بِفِعل الضمور التدريجي لتلك المبادئ والأهداف مع غياب المؤسسين الأوائل وتوالي الأجيال، ثم بسبب إكراه الواقع الصعب.  

     3/ شرعية الإصلاح الديني: بما أنَّ كل سلطة هي قوة وعنف وغلبة، فإنها كانت في حاجةٍ دوما إلى "شرعنة" سلوكها ونهجها القهري، ولهذا كان الدين حاضرا دوما أيضا باعتباره ركنا متينا لكل كيان سياسي، فنشر الإسلام وتغيير المنكرات وإقامة العدل ومحاربة البدع والانحرافات؛ كلّها مَثَّلَت قاعدة للمشروعية الدينية لزعماء المرحلة المعنية، وعموما فالإصلاح الديني والعقدي أجمع كان الوسيلة الفعالة لبناء السلطة السياسية، إذ أن هذا الإصلاح كان يعني كافة الجوانب، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو الفكرية أو الثقافية، بحكم هيمنة الدين على الحياة العامة، ولهذا فأغلب الدعوات والحركات الإصلاحية "التي تحولت إلى دول كان روادها يلوحون بمشاريع الإصلاح العقدي".[4]

 يلاحظ أنَّ كل الدعوات الإصلاحية "قد ارتبطت ارتباطا عضويا بإقامة مشروعية الحكم على أسس دينية فتقدمت بالتالي كأداة موجهة للإنقاذ من الزيغ والضلال. وبغض النظر عن هذه الثابتة الملحة، يلاحظ أن البرنامج المواكب لكل مشروع يتكون كسابقه من شقين يجمعان ما بين الدعوة إلى إصلاح الشأن العام إجمالا وبين المطالبة بتدخل عاجل مكثف يسعى إلى محو المكوس وإلغاء المغارم المستحدثة الخارجة عن الشرع. وفوق هذا وذاك، يلاحظ أن نمطية "السلف الصالح" تبدو مطلبا مشتركا على مستوى الخطاب"،[5] لكن مع توالي الزمن ومتغيرات الواقع وتبدل الأحوال غالبا ما تبدأ هذه المبادئ الدينية في التراجع شيئا فشيئا مما يعرض السلطة إلى اختلال أحد أهم أسس شرعية وجودها، ويفسح المجال أمام تعاظم قوى دينية جديدة أخرى.

ثانيا:  الدولة والدين بالمغرب؛ مِن التعدد إلى الوحدة

 على المستوى التاريخي ساهمت عوامل وأحداث في بلورة مذاهب عقدية وفقهية وسياسية بالعالم الإسلامي، والتي انتقل صداها إلى المغرب. فمع الفتح الإسلامي انتشرت بهذا الأخير مذاهب فقهية دعوية، ثم مذاهب فكرية سياسية مناوئة للخلافة بالمشرق، والتي من أبرزها فرقة الخوارج التي أشعلت نار الثورات ضد سلوك ولاة بني أمية، وانتقلت من الطابع الاجتماعي إلى الطابع السِّياسي بنجاحها في تأسيس إمارة (سجلماسة وتامسنا)، ثم تمكنت الدعوة الشيعية من إيجاد موقع لها ضمن الخريطة المذهبية للمغرب مع (الأدارسة والبجليين والفاطميين)، قبل أن يتمكن المرابطون من فرض وتعميم المذهب المالكي السني بالقوة، بعدما كان محصورا في مناطق ورباطات.

نتجت عن الظروف والأحداث السياسية التي شهدها المشرق الإسلامي نشأة المذاهب والفرق الدينية وتعددها، والتي هاجر بعضها إلى المغرب لكونه منطقة آمنة في أقصى غرب العالم القديم، خاصة المذهب الخارجي الصفري والمعتزلي والشيعي وغيرها، ونجحت هذه التوجهات في تكوين إمارات سياسية قبلية جهوية، كما نجح المذهب السني المالكي في التموقع داخل الخريطة المذهبية للمغرب الأقصى، إذ بالإضافة إلى تبنيه من طرف أمراء دولة بني صالح التي يعتقد أنها قد تكون صدرته إلى الأندلس، وجدنا بعض الفقهاء الكبار، والذين من أبرزهم أبو ميمونة دراس بن إسماعيل الذي يعتبر ممن أدخل مذهب الإمام مالك إلى المغرب،[6] ثم أبو عمران الفاسي ووجاج بن زلو وعبد الله بن ياسين..؛ الذين كانت لهم بصمات واضحة في مسيرة قيام سلطة المرابطين كأول قوة سياسية استطاعت توحيد الغرب الإسلامي وتثبيت مذهب أهل السنة والجماعة عبر الجهاد والسلاح. كما أن فقهاء سجلماسة ربما نشطوا ولو تحت سلطة صفرية بني مدرار، واستطاعوا إقناع الشاكر لدين الله بتبني مذهب المالكية،[7] بل هم من أعطى شرعية لتدخل صنهاجة اللثام في جنوب المغرب.

أسهمت عوامل مختلفة في ترسيخ المذهب المالكي بالمغرب الأقصى، فمنها الإقليمية والاجتماعية والفكرية، لكن يبقى العامل الحاسم هو دور السلطة السياسية المتمثل في حمل بعض الأمراء والحكام رعاياهم على الالتزام به في شؤونهم الدنيوية والأخروية. مثلا فقد مهدت تبعية (الزناتيين) للخلافة الأموية بالأندلس السبيل لتثبيت مذهب صاحب "الموطأ" في البيئة المغربية، ليأتي دور المزيد من تكريسه وتعميمه مع وصول عصبية قبائل صنهاجة إلى الحكم، حيث خلقت الوحدة السياسية وحدة مذهبية، إذ حرص أمراء (لمتونة) على تطبيق هذا المذهب تحقيقا لحلم ورغبة الفقهاء المالكيين، وكذلك تأثرا بأمويي الأندلس، حيث اقتبسوا منهم العديد من النُّظُم القضائية.[8] وبالتالي أصبح الفقه السني المالكي هو المهيمن في مجال العبادات والمعاملات الشرعية، حتى لقد "نفقت في ذلك الزمان كتب المذهب (المالكي) وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها.."،[9] وكان مما تم نبذه وتقبيحه الخوض في علم الكلام باعتبار كراهة السلف له، وخاصة الإمام مالك. وربما لهذا السبب وغيره حاربوا كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي.

      هكذا نستخلص أن المغرب تمذهب بمذاهب مختلفة خارجية وشيعية واعتزالية؛ وساعدت جهود بعض الفقهاء والزعماء في توسيع الرقعة المجالية لانتشار المذهب السني المالكي، حتى إذا أقبلت سلطة المرابطين، رأينا هذا المذهب يسري في حياة المغاربة حكاما ومحكومين، ويهيمن على كل مرافق الدولة، وانتهى بذلك عصر الخلافات العقدية والمذهبية نسبيا لصالح عصر التوحيد الديني والسياسي. ورغم أن الموحدين حاولوا عبثا محاربة المذهب المالكي بتهمة اهتمام علمائه بالفروع على حساب الأصول، ومحاولة تثبيت المذهب الظاهري، إلا أن مذهب إمام المدينة المنورة عاد للظهور مع المرينيين، وترسخ مع السعديين، ثم مع العلويين. فجميعهم اتخذوه ثابتا من ثوابت الدولة المغربية لا محيد عنه. أضف إلى ذلك تطور التصوف الذي انتقل من ظاهرة فردية معزولة إلى طرق ومؤسسات متعددة، كما ترسخت العقيدة الأشعرية كعقيدة رسمية للدولة المغربية، وشكلت إلى جانب المذهب الفقهي المالكي والتصوف على طريقة الجنيد؛ ثوابِتَها الدِّينية الأساس.

      كرَّس العلويون الثوابت الدينية للدولة المغربية السالفة الذكر، واهتموا بدعم الزوايا التي تشكل الذراع الديني والروحي للسياسة الرسمية (منح ظهائر التوقير والاحترام، الإقطاعات، الهدايا والهبات، دعم المواسم، ترميم الأضرحة...)، ونالت الطريقة التيجانية ثم البوتشيشية فيما بعد النصيب الأكبر لهذا الاهتمام في التاريخ الراهن، كما سعت الدولة إلى احتكار الشرعية الدينية والخطاب الديني لشرعنة سياستها، وتكوين الأطر الدينية على مقاس معين، وإلى ترسيم هيئة العلماء و"تأميم" الفاعلين الدينيين..، هكذا عملت الدولة في تاريخ المغرب على الإمساك بزمام القيادة الدينية، وتوجيه المغاربة في نطاق الإسلام حسب فهمها، الذي قد يختلف شكلا وجوهرا من ظروف إلى أخرى.

على سبيل الختم:

من خلال هذه اللَّمحات؛ حاولنا رسم بعض معالم طبيعة الدولة في المغرب من منظور تاريخي، والتأكيد على أهم ثوابتها الدينية التي تشكلت عبر سيرورة زمنية ممتدة من الفتح الإسلامي إلى التاريخ الراهن، وذلك من خلال تحليل تلك العلاقة الجدلية بين الدولة والدين في المشهد المغربي، وبيان الثابت والمتحول، الراسخ والعارض؛ وهكذا إذاً تبلورت الهوية الدينية للدولة المغربية بعمق تاريخي.

 

 

         أهم المراجع :

- ابن خلدون عبد الرحمان، المقدمة، تحقيق درويش جويدي، المكتبة العصرية، صيدا-بيروت، 2002.

- شقير محمد ، تطور الدولة في المغرب: إشكالية التكون والتمركز والهيمنة (من القرن الثالث ق.م. إلى القرن العشرين)، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء/ بيروت، 2002.

- حركات إبراهيم، المغرب عبر التاريخ، دار الرشاد الحديثة، البيضاء، ط.1، 1984.

- عزاوي أحمد، مختصر تاريخ الغرب الإسلامي، ربا نيت، الرباط، 2007.

- دوفرجيه موريس، علم اجتماع السياسة، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط.1، 1991.

- إسماعيل محمود، الأدارسة (172-375 ) : حقائق جديدة، مكتبة مدبولي، القاهرة.

- القاضي وداد، "الشيعة البجلية في المغرب الأقصى"، ضمن أشغال المؤتمر الأول لتاريخ المغرب العربي وحضارته، سلسلة الدراسات التاريخية -1- الجامعة التونسية، 1979، ج.I.

 

[1]- ناصف، السلطة السياسية، ص.128-129.

[2]- صقري، "الحكام والمحكومون"، ص.54.

[3]- صقري، "الحكام والمحكومون"، ص.54.

[4]- بولقطيب الحسين، "أسس ومكونات الدولة المغربية في العصر الوسيط : الدولة الموحدية نموذجا"، مجلة أبحاث، ع.24-25، 1990، ص.58.

[5]- القبلي، "حول الإصلاح وإعادة الإصلاح.."، ص.11.

[6] - القرطاس، ص.45.

[7] - يذكر البكري أن محمد بن الفتح (الشاكر) كان سنيا مالكيا حسن السيرة وعادلا...(ج.II، ص.336).

[8] - حركات، المغرب عبر التاريخ، ج.I، ص.200.

[9] - المعجب، ص.122.