طباعة
انتخابات الدور الأول لرئاسيات تونس: الخسارة والفوز في المنطق الثوري  قراءة في النتائج والرسائل
  • امحمد الهلالي
السبت, 05 تشرين1/أكتوير 2019

انتخابات الدور الأول لرئاسيات تونس: الخسارة والفوز في المنطق الثوري قراءة في النتائج والرسائل

إعداد: امحمد الهلالي

 

أسفرت نتائج الدور الأول من ثاني انتخابات رئاسية لتونس ما بعد الثورة عن نتائج غير متوقعة ومعاكسة لتكهنات عمليات سبر الآراء المختلفة، فاستبعدت أصحاب الحظوظ القوية وأفرزت أسماء مغمورة وأصحاب حظوظ ضعيفة.

فقد استبعدت جميع أصحاب الفخامة من رؤساء دولة وحكومة سابقين وجميع أصحاب المعالي وأصحاب السعادة من الوزراء والبرلمانيين وجميع رؤساء الأحزاب العتيدة والجديدة وصدرت أستاذا وأكاديميا مستقلا محسوبا على الثورة بنسبة فاقت 18% متبوعا برجل أعمال وإعلام مواليا للمنظومة القديمة ويجر تهما ثقيلة بالفساد بنسبة تجاوزت 15%، بينما احتل المرتبة الثالثة ممثل أكبر الأحزاب السياسية وأقواها تنظيما بنسبة قاربت 13% فقط، متبوعا بوزير الدفاع الممثل الرسمي للمنظومة القديمة والمدعوم من معسكر الثورة المضادة بنسبة تجاوزت 10%، واحتل رئيس الحكومة الذي فاز حزبه السابق بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية السابقة على المرتبة الخامسة بنسبة لم تتجاوز 7% فقط.

وفي ما يلي النتائج التفصيلية لهاته الانتخابات :

جدول نتائج الدور الاول من الانتخابات الرئاسية بتونس

الأصوات

%

الإنتماء الحزبي

المترشح

711 620

18.40

مستقل

قيس سعيد

517 525

15.58

قلب تونس

نبيل القروي

530 434

12.88

حركة النهضة

عبد الفتاح مورو

864 361

10.73

مستقل

عبد الكريم الزبيدي

49 249

7.38

تحيا تونس

يوسف الشاهد

951 239

7.11

مستقل

أحمد الصافي سعيد

190 221

6.56

الاتحاد الشعبي الجمهوري

لطفي المرايحي

351 147

4.37

ائتلاف الكرامة

سيف الدين مخلوف

461 135

4.02

الحزب  الدستوري الحر

عبير موسي

338 100

2.97

التيار الديمقراطي

محمد عبو

371 61

1.82

حراك تونس الإرادة

المنصف المرزوقي

346 27

0.81

البديل التونسي

مهدي جمعة

384 25

0.75

الجبهة الشعبية

المنجي الرحوي

252 23

0.69

تيار المحبة

محمد الهاشمي الحامدي

532 11

0.34

مستقل

حمة الهمامي

198 10

0.30

التكتل

إلياس الفخفاخ

160 10

0.30

بني وطني

سعيد العايدي

376 7

0.22

مستقل

عمر منصور

364 7

0.22

مشروع تونس

محسن مرزوق

166 7

0.21

مستقل

حمادي الجبالي

799 5

0.17

مستقل

ناجي جلول

093 5

0.15

حركة تونس إلى الأمام

عبيد البريكي

598 4

0.14

حزب الأمل

سلمى اللومي الرقيق

472 4

0.13

مستقل

محمد الصغير النوري

704 3

0.11

حركة الوطن الجديد

سليم الرياحي

338 100

2.97

مستقل

حاتم بولبيار

المصدر : الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات

 

التصويت

العدد

%

الاصوات الصحيحة

973 372 3

97.34

الأوراق البيضاء

867 23

0.69

الأوراق الملغاة

344 68

1.97

المجموع

184 465 3

100

الامتناع

382 609 3

51.02

المشاركة

184 465 3

48.98

المسجلون

307 081 7

100

المصدر: الهيئة العليا المستقلة للانتخابات

 

أولا: النتائج قراءات وتفسيرات

تباينت القراءات لهذه النتائج واختلفت التفسيرات في تحليل أسبابها وفي قراءة دلالات رسائلها والجهات المعنية بتصويتها النافع أو العقابي.

القراءة الأولى : ترى في جانب منها، أن هذه النتائج قد أسفرت عن سقوط نمط تقليدي من الساسة لفائدة جيل جديد من القادة، وتمثل لذلك بالشخصيات السياسية في السلطة والمعارضة من اليمين ومن اليسار وكذا من الإسلاميين الذين لم يتمكنوا من المرور إلى الدور الثاني، ثمبمخلتف الشخصيات المغمورة التي تصدرت النتائج أو التي حصلت على نتائج جيدة وترتيب متقدم بالقياس إلى تاريخها وإمكانياتها.

أما الجانب الثاني من هذه القراءة، فيذهب أبعد من ذلك للقول بسقوط الأحزاب التقليدية، بل سقوط قيم التحزب لفائدة التشكيلات المستحدثة من ائتلافات شبابية وتنسيقيات شعبية، وعلى وجه الخصوص لفائدة قيم الاستقلالية واللاحزبية.

غير أنه عند النظر هنالك نوع من التعجل في الوصول غلى خلاصة طالما أن المنصب المعني يفترض ان يكون فوق الأحزاب وان الممارسات الشائعة تقتضي ان يأخذ الفائز حتى وأن كالن متحزبا مسافة واحدة من جميع هاته الأحزاب لكي يكون رئيسا لكل المواطنين وليس فقط لمن انتخبه أو لأعضاء حزبه .

وفي نفس السياق يصعب أيضا التسليم بخلاصة من هذا الحجم في ضوء النتائج التي حصل عليها حزب اساسي لم يسبق له المشاركة في هاته الانتخابات الرئاسة واتسمت مشاركته بالتردد والتأخر ومع ذلك احتل موقعا متقدما وبنتائج مهمة، رغم أنها يمكن أن تنطبق على كثير من الأحزاب التي سجلت تراجعا ملموسا.

أما القراءة الثانية فترى في هذه النتائج نهاية لما يسمى بالماكينات الانتخابية، سواء ماكينات اللوبيات المالية أو الإعلامية أو الإدارية أوالنقابية أوالمصلحية أوالزبونية التي تمثل امتدادات لبُنى المنظومة القديمة بمختلف مكوناتها .

ومن الجهة الأخرى نهاية للماكينات التنظيمية التي تملكها الأحزاب المنظمة بقواعدها الانتخابية الثابتة وصفوفها المتراصة وشبكاتها الجمعوية العاملة على مدار السنة وقياداتها المجتمعية المرتبطة بأحيائها ومدنها وأعيانها ذات الامتدادات العائلية والتي تمثل ضحايا النظام السابق وتنظر إليها فئات واسعة على انها مترجمة لطموحات وآمال الثورة والمؤتمنة على حمايتها واستمرارها في مواجهة محاولات الردة الداخلية أو محاولات الانقلاب أو التحريض الخارجي عليها وتمثلها بالأساس حركة النهضة . وغلى جانبها استكمال الاجهاز على الأحزاب التي تحالفت معها سواء في مرحلة الترويكية او فيما بعدها حزبي رئيس تونس السبق المنصف المرزوقي وحزب رئيس المجلس التأسيسي بن جعفر.

كما تؤكد هاته القراءة ان من بينالماكينات التي انتهت هي ماكينة الأحزاب الإيديولوجية واليسارية التي تناصر الثورة ولكنها تعادي مخرجاتها أكثر من معاداتها لرموز النظام القديم الذييعود بصيغ وأسماء جديدة ومن بين هاته الأحزاب حزب الجبهة الشعبية والأحزاب أو الشخصيات المنشقة عنه.

وهي خلاصة في المحصلة تبقى متعجلة بالنظر من جهة للمكانة التي تبواتها النهضة كماكينة انتخابية بحصولها على المرتبة الثالثة، ثم بالنظر إلى نتائج المرشح المرتب ثانيا والذي بفعل ماكينة إعلامية وخيرية ومالية كان لها مفعول كبير في النتائج المحصل عليها . وكذا ان النتائج السلبية لبعض الماكينات الأيديولوجية تبقى لسباب مختلفة ذاتية من جهة ومرتبطة بسوء تقدير للموقف والاستراتيجيات الانتخابية التي لم تراع السياق الجديد وعاكست المزاج الشعبي في القضايا المطروحة وفي الخطاب الإستفزازيالمؤدلج .

أما القراءة الثالثة فترى في النتائج سقوطا لمنظومة التوافق وأحزابها العتيدة بحسبانها من جهة عملت على تحويل الرشد السياسي إلى خوف مرضي وحولت الروية والحكمة إلى تردد معطل للإصلاحات المنتظرة وحولت الحلم والصبر إلى تساهل يؤذن برجوع النظام القديم سواء من بوابة الثورة المضادة أو من بوابة توهين الدولة وتفزيع المجتمع بورقة الاغتيالات أو عن طريق ورقة الإرهاب المبرمج، وفي الشق الثاني فقد اسهمت من حيث لا تقصد في تحويل التسامح مع الجلاد إلى مهادنة للفساد وتزكية للمفسدين وحولت الاعتدال والوسطية إلى تفريط في القيم المرجعية وحولت الإصلاح المتدرج إلى تضييع لأهداف الثورة وحولت الدفاع عن الاستقرار إلى تعطيل لمسار الحقيقة والمصالحة وتأجيل الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الضرورية.

لكن يعب مجاراة هاته الخلاصة اعتمادا فقط على نتائج الدور الأول من انتخابات رئاسية رغم دورها الرمزي في المشهد السياسي الا أنها تبقى بصلاحيات محدودة يمكن ان يكون لها كل هذا الرهان، وهو ما يقتضي ضرورة انتظار باقي الأشواط الرئاسية والبرلمانية لتأكيد او نفي مثل هاته الخلاصات . مع ان المؤشرات الكبرى ما زالت تقدم النموذج التونسي بتوافقاته ومرونة إسلامييه وحكمة سياسييه على انه انجح تجارب الربيع العربي الذي صمد في وجه العواصف والضغوطات وينتظر ان تزكي الانتخابات وخاصة البرلماني هذا المسار مع الرسائل التي يمكن ان تحملها في اتجاه المراجعات والتحيينات المطلوبة لتجاوز بعض مظاهر الضعف والعراقيل التي قد تضعف من منسوب الثقة فيه .

 

1- في السقوط والساقطين :

في تحليل هذه النتائج يمكن بسهولة حصر لائحة المتساقطين والوقوف على أوزانهم ووضعياتهم وحجم ما يمثلونه سواء في صفوف الدولة أو في أوساط المجتمع؛

  • فمن بين رجالات الدولة سقط رئيس دولة سابق وسياسي مخضرم له سجل حقوقي بارز،ومواقف تنحاز إلى الثورة، خاصة إزاء ما جرى من انقلابات عسكرية وإحداث للثورة المضادة. ثم رئيس حكومة سابق بنفس الوزن والرصيد في النضال والتضحية السيد حمادي الجبالي الذي اضطر للتنازل عن السلطة بفعل الثورة المضادة وتداعياتها على بلاده، ورئيس الحكومة الحالي الذي يقود ائتلاف الأغلبية الحاكمة السيد يوسف الشاهد ثم وزير الدفاع الذي تم تقديمه لاستلهام نماذج وزراء الدفاع الذي يبحث عن تفويض شعبي ليزكي به الدعم الخليجي لإغلاق قوس الربيع العربي بتونس. ثم رئيس برلمان بالنيابة، بكل ثقله الرمزي والمعنوي وموقعه الحزبي والتاريخي والسياسي ممثلا في الشيخ عبد الفتاح مورو الذي تجتمع فيه كل مواصفات تمثيل كل التونسيين وتلتقي في تكوينه وشخصيته خصائص الثقافتين الإسلامية والحداثية والأصالة والمعاصرة وتتآلف في قناعاته القيم المرجعية والقيم الكونية.
  • أما في دائرة السياسة والمجتمع فقد سقط كل رؤساء الأحزاب القديمة والجديدة، وحل في مراتب متدنية ممثلوالتكتلات السياسية والمصلحية والإيديولوجية رغم أن بعضهم يؤاخذ عليه من بعض الطراف التونسية كونه مدعوما من دول خارجية نافذة في الحياة السياسية التونسية واقتصادها كفرنسا أو منتقدا من فئات تونسية باعتباره مسنودا من دول خليجية في معسكر الثورة المضادة كالإمارات الاتي تخشى على نفسها من نجاح الثورة التونسية، فضلا عن مرشحين آخرينينعتون من قبل الإعلامالتونسي بانهم مآزرينبلوبيات مالية راكمت الأموال بصفقات المنظومة القديمة أو جماعات مصلحية انتفعت من الريع الذي ما زال يهيمن على اقتصاد البلاد، وبعضهم يحظون بتأييد إعلام مأجور أو يستعملون إيديولوجيات بائدة وثقافات استئصالية.

غيرأن دلالات هذا السقوط لم تقف عند الأشخاص والرموز ولا حتى عند الهيئات والتنظيمات وجماعات الضغط وحسب، وإنما تعدت ذلك إلى سقوط مرحلة برمتها ومنظومات ونماذج وخطاب وقيم.

 

  • سقوط مرحلة ومنظومات : والسقوط هنا يعني بالأساس هو سقوط مرحلة المنزلة بين المنزلتين أو مرحلة منزلة نصف الثورة التي ظلت تونس تعيشها منذ أناستعادت المنظومات القديمة المبادرة فحسمت بالانقلاب العسكري في مصر وتعثر الانقلاب في ليبيا وسوريا واليمن ودخلت تونس في مرحلة توافق الإكراه أو توافق التنازلات الذي أفضى إلى خروج النهضة من السلطة دون مقابل الاستمرار في المشهد، الشيء الذي لم يقبله الشارع الثائر ولم يكتف به أنصار المنظومة القديمة. ولذلك فالسقوط يحمل دلالة إعادة إسقاط المنظومة القديمة التي تم إسقاط رأس نظامها دون أن يتم تفكيك بناها وقيمها التي ظلت كامنة في الإدارة والنقابة والإعلام والتجمعات المصلحية والمالية. ثم سقوط لمنظومة الفساد التي استغلت سياسات العفو والتساهل واستفادت من نهج التوافق وعدم تكرار تداعيات الاجتثاث وحملات التطهير التي أدخلت دول أخرى في حروب أهلية واضطرابات أمنية وسياسية. لكن أيضا النتائج حملت رسائل قاسية وعقابية في حدود معينة إلى المنظومة التي تبالغ في التوافق المكره الذي سقط في بعض التساهل والتفريط إلى درجة الخشية من عودة المنظومة القديمة بتمثلاتها وخطابها ونماذجها وممارساتها السابقة. وهي بذلك رغم التموقع في المرتبة الثالثة والنتائج المقدرة إلا أنها تلقت إنذارا، وربما لوما انتخابيا ظاهرا قد تكون للجوانب الشخصية للمرشح وكذا للتردد وضعف الاستعداد بعض التأثير فيها، لكن في المجمل هنالك لوم انتخابي لهذه المنظومة التوافقية وطرفها الرئيسي وهو حركة النهضة. رغم أن هناك تقدير آخر في تفسير هذه النتيجة التي تبقى مهمة لكنها غير كافيةأو يمكن أن تعد "نصرا بلا تتويجأو بلا مجد" ويمكن أن يفسر تفسيرا له جانب من الوجاهة بحسبانه امتدادا لخوف وتوجس موروثين لدى قطاعات واسعة من الشعب التونسي من الهيمنة والتوغل الناجم عن جمع السلطة في يد واحدة أو جهة واحدة، فتم التصويت بالاحتياط ضد ممثل النهضة التي يمكن أن تجمع السلطات الثلاث بعد نزول زعيمها راشد الغنوشي شخصيا إلى الميدان الانتخابي، والطريقة التي أصحبت النهضة تُحضر بها قوائمها الانتخابيةالتي تستميل الكوادر والأعيان والمناضلين في نفس الوقت ودونما منافسة من أي جهة اخرى ومع استحضار نتائج الانتخابات المحلية مما أعطى الانطباع بأن حركة النهضة آخذة في التحول إلى حزب دولة دون أن تفتقد مقومات حزب الشعب وهو ما قد يثير مخاوف النخب من تكرار تجربة أحزاب الدولة في التجارب القديمة.

 

  • سقوط نماذج : في النماذج والقيم المرتبطة بها، يمكن الوقوف على سقوط نموذجين متناقضين تبدلت معطيات السياق الذي يحكمهما دون أي اجتهاد في التكيف مع تلكم التحولات.

فمن جهة أولى، سقط نموذج الثورة المضادة الذي امتد إلى تونس مستفيدا من الإعاقات الاقتصادية والاجتماعية والبيروقراطية ومن التشويش الإعلامي والابتزاز النقابي الذي تمارسه،حسب وسائل إعلام محلية، بقايا المنظومة القديمة ضد المؤسسات التونسية الجديدة، حيث لم يعد الناس يحتملون مشاكل البطالة وارتفاع المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وانهيار الخدمات في ظل أداء اقتصادي متعثر ووضع اجتماعي متفجر واختلال في توزيع الثروة بين مناطق البلاد وفئاتها الاجتماعية وتباطؤ النمو وتواصل الركود، وذلك ما دفع بعض الفئاتإلى الاقتناع بضعف كفاءة أحزاب الثورة وقادتها، مع منظومة خارجية ضاغطة أو معادية، وهو ما حمل رموز هذا النموذج إلى المبالغة في استفزازاتهم ومحاولة استعادة نفس النموذج المطاح به أو استدعاء نماذج مماثلة في تجارب عاد فيه هذا النموذج إلى الحكم وإلى نفس الممارسات والسياسات التي ثار عليها التونسيون.

لكن الذي تسبب في سقوط ثان لهذا النموذج الذي يحاول العودة هو تزامنه مع موجة ثانية للربيع العربي التي تسببت في إسقاط نموذجين عسكريين؛الأول في السودان الذي لم يمنع احتماءهبما تبقى من إسلاميين من السقوط، ثم النموذج الجزائري الذي لم تعد ورقة أهوال العشرية الدموية تخوف الشارع وتمنعه من الحراك، بعد العناد الذي وصل إليه النظام بإصراره على عهدة خامسة لرئيس في وضعية موت سريري وفي ظل اقتصاد متعب رغم ثرواته الطائلة.

هذا السياق الثوري الجديد هو الذي أحيى المزاج الثوري في الوعي التونسي وجعله يعيد ما حققه بانتفاضة الشوارع عن طريق انتفاضة الصناديق ضد الثورة المضادة ونموذجها السياسي والقيمي والإعلامي وامتداداته في الأحزاب والهيئات واللوبيات والرموز.

وفي المقابل أيضا سقط النموذج المقابل أو تلقى لوما انتخابيا على الأقل، وهو النموذج الإصلاحي الذي ظل يبالغ في إصلاحيته إلى درجة التردد والخوف، رغم أن السياق تحول في اتجاه ثوري وأصبحت المحاسبة تتم له بسقف الثورة وليس بسقف الإصلاح، وهو ما لم ينتبه إليه أصحاب هذا النموذج. سواء في الخطاب أو في المواقف المعبر عنها من قبيل الموقف من الشارع الثوري بكل من السودان والجزائر وهم ينتسبون إلى دولة تمثل مهد الثورة، مما جعل الانطباع لدى بعض الفئات بأنحركة النهضة لم تسند بما فيه الكفاية الموجة الثانية من الربيع العربي استنادا إلى موقفها من أصدقاء إيديولوجيين في السودان أو بفعل علاقات زعيمها الشخصية برموز نظام بوتفليقة في الجزائر على حساب أشواق الحرية والعدالة الاجتماعية لشعوب البلدين .

ونفس الأمر تؤاخذ به النهضة أيضا بالنسبة للوضع الداخلي، وخاصة الموقف من تعطيل المؤسسات كما هو الشأن بالنسبة للموقف اللين من المحكمة الدستورية التي كاد غيابها يعصف بالبلد ويفتحه على المجهول ويتسبب في انقلاب عسكري بقيادة وزير الدفاع المترشح.أو في الموقف الموسوم بالمهادنة مع الفساد أو المتساهل مع تعطيل مسار العدالة الانتقالية الذي ظل يراوح مكانه. رغن ان الجميع يدرك ان تأثير النهضة في قرارات من هذا الحجم غير مؤثر من جهة ومن شأنه ان ينعكس بالسلب على التوافق الهش الذي كان يجمع بينها وبين حزب الرئيس الراحل .

 

  • سقوط خطاب وقيم : أما في الخطاب فقد أسفرت نتائج الانتخابات عن سقوط خطابين مغاليين؛ خطاب حداثي متطرف بلغ به تشدده أن يصل إلى درجة المجاهرة بمعاداة القيم الدينية للشعب التونسي والإقدام علىسن قانون للمساواة في الإرث في أفق استكمال إصدار تشريعات تقنن ما يسمى بالحريات الفردية التي تخالف في ممارستها العلنية قطعيات دينية واضحة من قبيل الحرية التي يسميها الحداثيون بـ "الجنس الرضائي خارج الزواج" ويسميها القرآن بـ "الزنا والفاحشة" وحرية الإجهاض الذي يدافع عنه الحداثيون بدعوى "حرية التصرف في الجسد بالنسبة للمرأة" في المواثيق الدولية ويرفضه الإسلاميون بدعوى "الحق في الحياة بالنسبة للجنين"،ونفس الأمر بالنسبة لما يسميه الحداثيون مثلية تستحق الحماية من زاوية حقوق الإنسان ويسميه الإسلاميون شذوذا يتطلب الحق في العلاج أو على الأقل الستر وحماية المجتمع والنظام العام منه استنادا إلى المرجعية الحضارية والثقافية للمجتمع التونسي.

هذه القضايا التي احتلت الحيز الأكبر في النقاش العمومي وفي الإعلام على حساب الأوضاع الاجتماعية والمعيشية لغالبية الشعب قُرأت على أنها محاولة للاستدراجإلى التقاطبوالانقسام الذي يبرر للانقلاب على المسار الديموقراطي باستعمال الخطاب البورقيبي المستلهم للعلمانية الفرنسية المتطرفة، وهو ما تسبب في انتهاء التوافق وبداية التقاطب على أساس قيمي ومرجعي بعد أن ظل بين ديمقراطي واستبدادي وبين إصلاح وإفساد. ولذلك جاءت نتائج الانتخابات مفاجئةومخالفة لنتائج آخر انتخابات رئاسية وبرلمانية شهدتها تونس.

في المقابل سقط أيضا خطاب يبالغ في الاعتدال والوسطية إلى درجة اختفت فيها الحدود والمسافات بين المدرسة المرجعية التي مثلتها الإصلاحية التونسية بموجاتها المتعاقبة منذ ابن خلدون إلى ابن عاشور من جهة، وبين البورقيبيةإلى البنعلة من جهة ثانية، والتي قدمت كخطاب للتحديث الفوقي ضد العقليات المحافظة والتنمية بدون ديمقراطية لأن الشعوب غير مهيأة للديمقراطية في ما بعد الاستقلال في البلدان العربية والإسلامية.

وبهذا اختفى خطاب الحركة الإسلامية الذي ظل يدافع عن سمو المرجعية وعن القيم الإسلامية للدولة والمجتمع التونسي تحت هواجس سياسية وبذريعة الحفاظ على التوافق السياسي وتفادي التقاطب الإيديولوجي والتنازل عن المصلحة الحزبية لفائدة الوطن، لكن الشارع الثوري لم يوافق على هذا الخيار ورأى فيه توافق المُكره وتخليا عن أهداف الثورة، فجاءت نتيجة النهضة تحمل لوما واضحا أو تحمل دلالات نصر من غير تتويج.

2- في الفوز والفائزين

في مقابل السقوط والساقطين ثمة فوز وفائزون يتصدرهم أستاذ جامعي أعزل من كل العتاد الانتخابي المعهود وزاهد في المال العام والخاص ومفضلا الشوارع والمقاهي على البلاتوهات والميكروفونات في تواصله مع الناخبين، ولا يملك سوى مواقف واضحة ولغة واثقة وخطاب صريح لا يتحامل ولا يجامل،وليس وراءه ماكينات ولا لوبيات ولا جهات داخلية أو خارجية ما عدا شباب متطوع في إطار تنسيقيات شعبية،وهذا الأستاذ هو السيد قيس سعيدالمختص في القانون الدستوري.

وقد جاءت نتائجه معاكسة لكل استطلاعات الرأي، حيث حصل على المرتبة الأولى بنسبة تجاوزت 18% بحظوظ وافرة لتكريس تصدره في الدور الثاني المرتقب خصوصا بعد إعلان جميع المرشحين المحسوبين على الثورة عن دعمه والوقوف إلى جانبه في معسكر يسعى أن يقدمه أصحابه على أنه استئناف لخط الثورة وينعته خصومه بمعسكر المحافظين في بداية لنزال قوي حول المفاهيم والرمزيات والسيميائيات التواصلية.

وإلى جانبه هنالك رجل أعمال وإعلام محبوس على ذمة قضية فساد مالي وتهرب ضريبي،استطاع أن يتخطى الدور الأول بنتائج فاقت 15% دون أن يتمكن من القيام بحملته أوأن يشارك في المناظرات التي جرت بين المرشحين، مستندا في ذلك على حملات مكثفة للعمل الخيري الذي عرف به في بعض المناطق في الشمال الغربي من تونس والعمل الإعلامي من خلال قناته التلفزية "نسمة" واسعة الانتشار، كما استفاد من شبكات تواصلية قوية بعضها خارجي تثار شبهات حول تدخلها في المسار الانتخابي حسب ما تسرب من وثائق ينتظر التحقق من صدقيتها، وأخيرااستفاد أيضا من تداعيات توقيفه في توقيت مضبوط على محاولة الإقصاء وشبهة استعمال السلطة التشريعية في تفصيل القوانين على مقاس المنع (رؤساء الجمعيات وأصحاب القنوات..) وسوء استخدام السلطة في اختيار توقيت تحريك ملفات الفساد ضد المنافسين واستخدام القضاء في تصفية الخصوم والاعتقال الاحتياطي في عز المنافسة الانتخابية.وهو ما أدى إلى نتائج عكسية في صناديق الاقتراع في إشارة إلى رفض استخدام السلطة والإدارة والقضاء في الحسم الانتخابي ولو مع المتهمين بالفساد، فحصل المرشح نبيل القروي على المرتبة الثانية، بينما لم يحصل من كانوا يتصدرون التوقعات سوى على نتائج متواضعة بمن فيهم من استخدم هذه السلطات ضد هذا المرشح السيد يوسف الشاهد الذي اكتفى بالمرتبة الخامسة بنسبة راوحت 7% فقط.

والخلاصة هي أنه في السياق العادي قد تكون القراءات التقليدية التي ترجع الأسباب إلى الانقسام في المعسكرين أو إلى تصدع التحالفات أو إلى الصراعات الداخلية للأحزاب وتمرد القواعد على القيادات أو إلى التصويت العقابي أو التصويت النافع بعضا من الوجاهة والصحة في تحليل النتائج وتفسير رسائلها، وذلك تبعا لما يقدم من حجج ومؤشرات؛ لكن في السياق الثوري وبالاحتكام إلى المنطق الثوري يمكن أن تكون لنتائج الانتخابات في دولة خارجة لتوها من ثورة وتقدم في محيطها الإقليمي بوصفها نموذج للديمقراطيات الصاعدة سواء في قدرة فرقائها على التوافق أو من حيث قدرة طبقتها السياسية على الصمود في وجه عواصف الثورة المضادة أو في قدرة إسلامييها على المرونة والتكيف صعودا إلى السلطة وتنازلا عنها، وكذا على قدرة البلاد بكل تناقضاتها من استيعاب تهديدات الداخل التي كادت أن تفضي إلى حروب أهلية بفعل الاغتيالات السياسية المجهولة من جهة، والتفجيرات الإرهابية المدروسة من جهة ثانية وضغوطات الخارج المذلة التي تدفع إلى اصطفافات حدية وتقاطباتإيديولوجية باستعمال الورقة القيمية وفي صدارتها قضايا كالمناصفة في الإرث وحرية الجنس وكذا في ظل المعاناة الأمنية مع قلاقل الجوار الذي يرفض أن تظل مهد الثورة مستقرة تبني ديمقراطيتها واستقرارها بينما جوارها يموج بالصراعات والفوضى وعدم الاستقرار.

في هذا السياق تشتد الحاجة إلى قراءة غير تقليدية تدمج العناصر الأكثر تأثيرا للمساعدة على التقاط الرسائل الأهم للناخب التونسي، وأبرز هذه العناصر هو السياق الثوري المتجدد وتداعياته المحتملة على المحيط الإقليمي والدولي وانعكاساته المباشرة على تونس وعلى الخريطة السياسية والاجتماعية بها.

وما يؤاخذ على العديد من القراءات التي تتم لنتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية بتونس هو إغفال السياق الثوري الذي يشهد موجته الثانية بفعل حراك السودان والجزائر، والذي تميز بانشغال حاضنات الثورة المضادة بمشاكلها الداخلية وخلافات الطامحين فيها إلى السلطة وغرقت بعضأطرافها في نزيفها المالي والبشريالناجم عن حروبها الخشنة والناعمة في محيطها الإقليمي وما أفضى إليه ذلك من تفكك تحالفها في اليمن وفشل وكيلها في ليبيا وتصاعد التهديد الإيراني والابتزازالأمريكي.

وهو سياق أعاد الأمل أيضا إلى الخط الثوري دون أن ينتبه إليه العقل الإصلاحي الذي ظل على نفس تردده القيمي واستمر في نفس تخوفه السياسي. وفي نفس الوقت لم يستطع الخيار المضاد أن يدرك نتائج هذا السياق وواصل مبالغته في جرأته الإيديولوجية وبالغ في استفزازاته القيمية، بل وخرج بخطاب الوعيد بالانتقام من الثورة وامتداداتها السياسية والمجتمعية على نحو ما عكسه خطاب مرشحة المنظومة القديمة السيدة عبير موسى.

لذلك فكل قراءة لنتائج الانتخابات الرئاسية في دورها الأولومدى انعكاساتها على الدور الثاني وكذا على الانتخابات التشريعية، يتعين أن تستحضر هذا السياق في تفاعلاته ومآلاته، وكذا في ضوء المحددات الخمس التالية:

  • استعادة المبادرة من قبل الإرادة الثورية من خلال الموجة الثانية من الربيع العربي التي انطلقت من السودان ووصلت إلى الجزائر وما ستفضي إليه فيهما من نتائج لن تكون المنطقة في منأى عن تداعياته.
  • فشل نموذج الانقلاب العسكري بمصر واندلاع موجة ثورية ثانية يقودها ضحايا هذا الانقلاب والمتضررين من سياساته الفاشلة بقيادة رجل أعمال وفنان مصري شاب عرف كيف يؤلب الشارع المؤيد ضد الحكم العسكري.
  • فشل الحسم العسكري في القضاء على الثورة في ليبيا وسوريا بالاحتكام إلى السلاح محليا،أو باستخدام ورقة محاربة الإرهاب في الخارج ؛
  • استنزاف الحاضنة الإقليمية للثورة المضادة وغرقها في النزاع الداخلي على السلطة والنزيف الاقتصادي والمالي في الحرب العبثية والإنفاق الخيالي على المليشيات المسلحة، وكذا ارتفاع تكلفة الحماية لأمنيها واستقرارها،وارتفاع مخاطرها من استهداف منشآتها الحيوية وبنياتها التحتية وتهاوي صورة سجلها الحقوقي في الداخل والخارج واحتدام المنافسة بين أحلافها على المواقع والمغانم.
  • محدودية وتواضع نتائج النموذج الإصلاحي الذي مثلته تونس والمغرب وتراجع موقعه كخيار بديل وخيار ثالث بين الثورة والاستبدادفي ظل المواقف والاختيارات المنتهجة في الآونة الأخيرة.

مجموع هذه المحددات هي التي تفسر النتائج غير المتوقعة في انتخابات الدور الأول من رئاسيات تونس 2019 وهي التي ستحكم بشكل كبير في نتائج الدور الثاني وكذا الانتخابات التشريعية القادمة في تونس وفي مجمل المنطقة بحكم أن السياق ممتد في هذا التوجه وتسير تفاعلاته على هذا النحو.

ثانيا : النتائج : الدلالات والرسائل

ومن هذا المنطلق يمكن إبراز دلالات نتائج صناديق الاقتراع في الدور الأول من رئاسيات تونس في ما يلي:

  • الرسالة الأولى : التي تؤشر عليها علامات العزوف عن المشاركة بنسبها المتدنية، والتي بلغت 48 % وهي رسالة موجهة إلى الديمقراطية التوافقية الهشة التي تتعثر بمنطق توافقي مالت فيه الكفة لغير صالح الثورة، إذ تهاوت العديد من التعبيرات الثورية بفعل الخلافات الداخلية لفائدة أجنحة قديمة للنظام البائد. والخاسر هنا هو التنازلات التي تحولت إلى تفريط وفقدت ديمقراطية التوافق فاعليتها بوصفها مرحلة يفترض أن تسلم إلى ديمقراطية التنافس. وتعطلت العدالة الانتقالية وبدأت مؤشرات عدالة انتقامية مضادة تطل برأسها في خطابات استئصالية جديدة تصدر عن شخصيات تنتمي إلى المنظومة القديمة وتحول منطق العفو على الجلادين ورفض قانون العزل إلى عودة منطق الاستئصال وخطاب تجفيف المنابع وتمجيد العهد البائد والحنين إلى رموزه، وتحولت مقولات محاربة الفساد إلى مهادنة مع المفسدين وعجز أمام آلياته.

 

  • الرسالة الثانية : تم توجيهها إلى التشكيلات الجديدة للنظام القديم بأحزابه الحاكمة ولوبياته المالية ومافياته الإعلامية وبيروقراطيته الإدارية وهيئاته المؤدلجة ونقابته المسيسة وحاضنته الممولة، والأرقام التي حصل عليها جميع المحسوبين على النظام القديم مؤشر دال على استمرار منطق الثورة ورفض واضح لعودة النظام القديم بأي صورة من الصور، وبأي شكل من الأشكال. وإذا كان الثوار قد تعاملوا مع الجلاد بعفو ورفض منطق الاجتثاث ومنطق العدالة الانتقامية فهم من خلال هذا التصويت أكثر رفضا لعودة الجلادإلى الواجهة ورجوعهإلى الأساليب القديمة، يظهر ذلك واضحا في خسارة رئيس حكومة ووزير دفاع مسنودين من جناحي حزب الرئيس الراحل ونقابة الشغل التي اصطفت مع النظام القديم. كما تظهر بوضوح أكبر في نتائج محامية النظام البائد التي كان دورها هو اختبار خطاب الحنين إلى النظام القديم ورموزه وشبكاته.

 

  • الرسالة الثالثة : تم توجيهها إلى قيم الغرور السياسي والأنانيات الذاتية وإلى ثقافة الانشقاق التي عبر عنها بعض الرموز التي ترشحت في مواجهة هيئاتها وأدت إلى انقسام الصفوف التي تمثل الخيار الثوري ونافست مرشحي مؤسساتهاأو بادرت إلى الترشح بعيدا عن التشاورأو التنسيق مع الهيئات التي يفترض أن تدعمها، وهذه الرسالة تم توجيهها أساسا إلى ثلاث مرشحين هم أول رئيس للدولة لتونس بعد الثورة الذي خسر التكتيك بتجاوزه لحلفائه وترشحه بشكل انفرادي دون تشاور مع حلفائه المفترضين ومراهنا على القواعد ضدا على القادة. ثم إلى رئيسأول حكومة في هذه المرحلة الذي مارس عنادا سياسيا في وجه حركته ورفض التنازل لمرشح النهضة، ثم السيد محمد عبو الذي كابر ضد حزبه السابق "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي استوزر باسمه قبل أن ينشق عنه، ومارس مزايدة ضد الاتجاه المرجعي الذي كان يتحالف معه، ولم يكسب رضا الاتجاه الحداثي خاصة في موضوع قسم التونسيين وهو موضوع الإرث دونما انتباه إلى الإرادة الثورية.

 

  • الرسالة الرابعة : موجهة إلى التوافقات المتنازلة والخيارات المتناقضة والمواقف المتذبذبة والمترددة في موضوع الترشح للرئاسية الصادرة عن حركة النهضة باعتبار أن التوافق ليس موقف ضعف والوسطية ليست الخيارات السهلة والتنازل عن المصلحة الذاتية لا ينبغيأن يؤدي الى التفريط في المصلحة العامة والقيم المرجعية ليس ملكية خاصة قابلة للتصرف.

ذلكأن تردد النهضة في الانتخابات السابقة هو الذي رجح كفة ممثل النظام القديم في الانتخابات الرئاسية المنصرمة في وجه ممثل الثورة بفعل التصويت النافع كما أن المبادرة إلى الترشح للرئاسيات يتعارض مع منطق ديمقراطية التنازل ويتعارض مع تطميناتها بعدم الهيمنة واحتمال عودة الجمع بين السلطات الثلاث من قبل جهة سياسية واحدة، إذ في الوقت الذي تبالغ فيه الحركة في التوافق إلى حد التناول بل والتفريط أحيانا تصر على ممارسة حقها في الترشح إلى منصب ذي دلالة رمزية رغم صلاحياته المحدودة وتعطي انطباعا برغبتها في الهيمنة أي رئاسة البلاد ورئاسة البرلمان والحكومة عندما رشحت زعيمها إلى البرلمان ونائبه إلى الرئاسة وينتظر أن تفرز أغلبيتها أو تحالفها الأغلبي رئيسا للحكومة منها أو من الأغلبية التي تتحكم فيها.

لم يكن هذا الموقف فقط هو المرفوض من حركة النهضة ولكن تم رفض مرشحها نفسه الذي رغم نقاط قوته الشخصية الكثيرة إلا أن مسيرته السياسية في مرحلة الثورة على الأقل ظلت مثيرة للجدل عند قواعد الحركة وبعض كوادرها بفعل مواقفه المتباينة بين الخروج من الحركة والعودة إليها والترشح باسمها ثم الترشح ضدها، كما حصل في انتخابات المجلس التأسيسي؛ ثم تباين ما هوشخصي مع ما هو مؤسساتي في مواقفه وخطابه خصوصا في القضايا الجدلية من خلال بعض تصريحاته التي تتجاوز الاعتدال وتقترب من التفريط في بعض القضايا المرجعية في قضايا الحريات الفردية،وبالتحديد في مواقفه من المثلية أو الشذوذ الجنسي التي تحولت إلى نقاط في التمايز بين الخط الثوري والخط المضاد للثورة.

نفس هذه الرسالة وجهها ناخبو وقواعد حركة النهضة إلى قادتهم، وهي رسالة جمعت بين احترام القرار المؤسساتي لكنها لم تنخرط في دعمه على المستوىالعملي بلجوئهم على ما يبدوا لممارسة التصويت النافع مع شباب الثورة لفائدة قيس سعيد.

 

  • والرسالة الأخيرة : وجهها الشارع التونسي إلى الشارع العربي على أن الربيع العربي خيار تاريخي قد يتعثر لبعض الوقت وفي مكان معين، لكنه متواصل في كل وقت وفي كل مكان من العالم العربي، بدليل أنه يواصل زحفه إلى السودان وإلى الجزائر رغم محاولات الإجهاض في اليمن وليبيا وسوريا ويرجح حسب مؤشرات عديدة ان ينتقل مستقبلا الى دول الثورة المضادة.

الخلاصة: هي أن الانتخابات الرئاسية في دورها الأول مثلت رفضا للمآلات التي انتهت إليها العشرية الأولى من الثورة وعبرت عن تطلع إلى تجديد النموذج التونسي لنقل أمين لمخرجات الثورة إلى المؤسسات الجديدة في وسطية حقيقية ترفض ثقافة الإقصاء والاجتثاث، لكن في نفس الوقت تحافظ على أهداف الثورة في تناغم بين البعد القيمي والبعد الديمقراطي؛ كما حملت لوما إلى المبالغة في التنازل الذي يفرغ ديمقراطية التوافق ويؤجل ديمقراطية التنافس إلى أجل غير مسمى ويعطل مسار العدالة الانتقالية ويؤجل مشروع التنمية والعدالة المجالية، ويعطل مسار العدالة الانتقالية المتجسد في لجنة الحقيقة والمصالحة، وفي نفس الوقت يزيد الطلب على ضمانات عدم رجوع المنظومة القديمة ومعها عدم رجوع الهيمنة وتركز السلطة في جهة واحدة حتى إن كانت ثورية.

وقد وصلت رسائل الشارع التونسي إلى جميع الأطراف مما سيكون له انعكاس واضح على نتائج الانتخابات البرلمانية والخريطة السياسية التي يتوقع أن ترجح معسكر الثورة بقيادة شخصية مستقلة في الرئاسة تدعمها أغلبية وفية للثورة تتصدرها النهضة والتشكيلات الشبابية ممثلة في تنسيقيات شعبية وائتلافات شبابية وتراجع طفيف في المعسكر المحسوب على المنظومة القديمة والمسنود بقوى خارجية.