جدل الحريات الفردية بين المبدئي والنفعي
  • امحمد الهلالي
الخميس, 31 تشرين1/أكتوير 2019

جدل الحريات الفردية بين المبدئي والنفعي

امحمد الهلالي

 

الجدل القائم حول الحريات الفردية في سياقنا الراهن ينتمي إلى نوع النقاشات المتسمة بتغليب النفعي والمصلحي على المبدئي والقيمي، وذلك بسبب ما يطغى عليه من افتعال وانتقائية وبسبب ما يطبعها من اختزال وأحادية.

فهو نقاش مفتعل وليس نابع من حاجة موضوعية تعبر عن تطلعات جماعية أكثر من كونه ناتج عن إسقاطات فوقية لرغبة نخبة مخملية تتحين الفرص وتستغل آلام بعض الضحايا، كما وقع مؤخرا لضحية من ضحايا سوء استخدام السلطة والقانون والقضاء في ما عرف بقضية إجهاض خطيبة، والتي حولها البعض إلى قضية رأي عام بغرض فرض أجندة قيمية خاصة ضد الإرادة الشعبية المتمثلة في مرجعية المجتمع والدولة التي أقرتها الوثيقة الدستورية، وما تضمنته من ثوابت جامعة هي الدين الإسلامي الحنيف والوحدة الترابية والملكية الدستورية والاختيار الديمقراطي، وهي ثوابت جامعة صوت عليها الشعب في دستور 2011 المتوافق بشأنه من أغلب المكونات المعتبرة في البلاد، ويتم تنزيلها في الحياة العامة بواسطة القوانين التي يصوت عليها الفرقاء بشبه إجماع عندما يتعلق الأمر بالحريات، كما هو الشأن في موضوع توسيع الحالات التي تعفى منها من العقوبة في جريمة الإجهاض أو تقليص الجرائم التي يحكم فيها بالإعدام وإبقائها محصورة في الجرائم الخطيرة، كما اقترح ذلك مشروع القانون الجنائي الذي تقدم خطوات مهمة على طريق توسيع الحريات الفردية وتعزيز ضمانات ممارستها من خلال تحصين حرمة الأشخاص ضد التعذيب والتمييز والعنصرية والكراهية، وامتهان الكرامة سواء بالقذف أو التشهير أو السب، كما عزز ضمانات حماية حرمة الفضاء الخاص والحق في الحميمية، وحرمة المسكن والمراسلات، وفقا للمعايير المنصوص عليه في المواثيق الدولية الأساسية جنبا إلى جنب مع تحصين الفضاء العام القائم من نظام عام وأخلاق عامة وآداب عامة، بما فيها حرمة الأسرة والمدرسة وسائر المؤسسات التي تستقبل الجمهور، وتعزيز ضمانات صيانته من الانتهاك.

كما يتصف هذا الجدل بالانتقائية واللامبدئية لأنه يتعامل بازدواجية مع ما يسمى بالحريات الفردية، فهو مع الحق في الحياة بالنسبة لإلغاء عقوبة الإعدام، ولكنه ضد الحق في الحياة في العدوان بالإجهاض على جنين لا يد له في تصرف المجهضين في أجسادهم؛ وهو مع حرية لبس "الصاية"، لكنه ضد الحرية في لبس "الفولار". وهو مع حرية اليهودي في اختيار المأكل الحلال والذبح الحلال وفي ختان الذكور بحسبانها حرية ممارسة الشعائر التعبدية وحماية للحق في الاختلاف العقدي، لكنه ضد هذا عند المسلمين بوصف ذلك همجية وعنفا وغير ذلك. وهو مع الدولة المدنية عند المسلمين، لكن ضدها ومع الدولة الدينية لدى الكيان الصهيوني. ومع حرية المعتقد عند خروج مسلم من دينه نتيجة التحريض أو استغلال الفقر والهشاشة والرغبة في الهجرة لكن ضدها عندما تخرج قبطية من دينها إلى الإسلام بدعوى أنها مختطفة. وهو لا ينبس ببنت شفة مع عمامة السيخي وزي الديلما وطاقية اليهودي، لكنه يصرخ من "فولار" فتاة في مدرسة أو نقاب امرأة في الشارع.

وهو مع حرية المس بالمعتقدات وازدرائها باسم حرية التعبير والإبداع عندما يتم رسم أنبياء، وخدش قدسيتهم لدى أتباعهم، وضد مجرد المناقشة العلمية لمقدسات جديدة تتم باسم معاداة السامية أو الحجم الحقيقي لجريمة الهولوكست.

ومن هذا المنطلق يصعب القول أن هذه تعتبر حريات فردية، بل هي إملاءات قيمية يراد لها أن تفرض على إرادة الشعوب، وهي محاولات يائسة لتحويل التقاطب المجتمعي حول من مع الإرادة الشعبية ومن مع إرادة التحكم، من مع الإصلاح ومن مع الفساد، من مع التوزيع العادل للثروة ومن مع الريع، ومن مع الحريات الأساسية للمواطن ومن مع مفهوم مؤدلج وإباحي للحريات الفردية التي تدفع إليه نخب عجزت وفشلت في نيل ثقة الشعب وانتقلت للتشويش على إرادته.

أما النخب المجتمعية الحية التي نتقاسم معها القيم الديمقراطية ونختلف معها في بعض معالم المشروع المجتمعي، فإننا نقر أننا نعيش معها اختلافا يعد ثروة، ونمارس فيما بيننا تدافعا فكريا منتجا وخلاقا، نسعى لتطوير المشترك بيننا ونعززه ونوسع مكتسباته ونبني عليه لنواصل حوارنا في المختلف فيه، ومنه الحريات الجنسية بين الفضاء الخاص والفضاء العام، ولماذا نقبل بها إذا كانت خارج الزواج ونرفضها في ظل الزواج بالتعدد، رغم اشتراكهما في الرضائية ورغم أن الضمانات لفائدة النساء هي أضمن في مؤسسة الزواج على غيرها من خارجه.

ونفس الشيء مع المثلية الجنسية بين الإقرار بها كواقع يسائلنا حول كيفية التعامل مع ما يسمى "الأقلية الجنسية" دون ازدراء أو تحريض أو سقوط في شرع اليد في معاملة الأشخاص، سواء اعتبرناها طبيعية تستحق الاعتراف من زاوية من يقول بهذا الرأي أو اعتبرت مرضا تستحق الحق في العلاج والستر عند الابتلاء بالنسبة لمن يقول بوجهة النظر هاته.

ففي مثل هذه القضايا كنا وما زلنا نعتقد أن في الأمر متسع للتوصل إلى خيارات غير تقابلية ضدية ومتنافية، بل نستطيع التركيب بين أسمى ما تدعو إليه المرجعية الساعية إلى التخليق مع أنبل ما تنادي به الكونية الطامحة إلى المَعْيَرة، والوصول إلى بلورة حل ثالث يتأسس على مقاصد الشريعة وعلى الحكمة الإنسانية، بحثا عن سعادة المجتمع وتحرره في نطاق هويته المنفتحة لا في إطار تبعيته لغيره وانتحال ثقافة غيره.

والخلاصة هي أن ثمة إمكانية كبيرة لتوسيع المشترك في كل هذه القضايا، وأن العقل الجمعي والذكاء الجماعي الذي أوصلنا إلى توافق مجتمعي حول مدونة الأسرة وقضاياها الشائكة دون خروج عن المرجعية والحلول المبدعة في درء التعارض بين الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية من خلال الصياغة الدستورية التي جعلت هذه المواثيق تسمو عن القوانين الوطنية بالكيفية التي تتم بها المصادقة عليها ووفق أحكام الدستور بما فيه من ثوابت جامعة، وكذا وفقا للهوية الراسخة لبلادنا. كل ذلك يتيح إمكانية التوصل إلى حلول مماثلة في قضايا متفرعة عن هذه القضايا الكلية والتوصل إلى توافقات تاريخية في غيرها من القضايا المتفرعة عنها، وذلك على أرضية توسيع ضمانات ممارسة الحريات الفردية الفعلية في الفضاء الخاص بنفس القدر الذي نوسع فيه من ضمانات حماية الفضاء العام الذي نتساكن فيه ونمارس فيه حياتنا الجماعية.

والنقاش هنا سوف يدور أساسا حول أين يبدأ الفضاء العام وأين يبدأ الفضاء الخاص، وهل المساكن في إطار الملكية المشتركة في مؤسسات مفتوحة لاستقبال الجمهور تنتمي إلى الفضاء العام أم إلى الفضاء الخاص.

كما أن الفضاء الخاص الذي يعد المكان المهيأ لممارسة الحريات الفردية دون قيد، سيظل محكوما أيضا، وفقط، بالمسؤولية الذاتية سواء الآتية من الوازع الديني أو من الوعي الأخلاقي أو من الضمير الإنساني الذي بموجبه يترك المتدين بعض الحريات طلبا لرضى خالقه، لكونها بموجب قناعاته الدينية موبقات وخطايا وذنوبا، وليست حريات، ويتركها الشهم طلبا للمجد والشموخ والكبرياء الإنساني، كما ترك بعض الشعراء أو العظماء أو الفرسان معتقرة الخمر في الجاهلية صيانة لعقله وكبريائه من أن يخدش أمام الناس، بعد أن تلعب الخمر برأسه، وتركها آخرون تمايزا بها عن باقي المخلوقات، ويتركها الإنسان تغليبا لسموه النفسي وتحكما في شهواته وانتصارا لإنسانيته، وقد يقع فيها إنسان آخر مغلوب من شهوته أو اقتناعا بحرياته. ويتوب ويتوب الله عليه هذا أمر آخر.