الخميس, 05 كانون1/ديسمبر 2013

المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة.. يرسم ملامح المستقبل السياسي للمغرب

المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة.. يرسم ملامح المستقبل السياسي للمغرب

تحت عنوان «اقتراع 25 نوفمبر.. قراءة في الحصيلة وسيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة».. نظم المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة ندوة لتقييم نتائج الانتخابات وآثارها على المستقبل السياسي للمغرب، التي أفرزت حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي كفائز أول بهذه الانتخابات. شارك في هذه الندوة عدد من المفكرين والباحثين المغاربة، وقد أجمع المتداخلون على أن «المغرب دخل منعطفاً سيحدد مستقبل معالم المشهد السياسي خلال العقد الحالي، بل وربما في مستقبل المغرب السياسي ككل». انسجاماً مع ما يجري في المنطقة العربية، وفي قراءة سوسيولوجية لملامح المشهد الذي أفرزته هذه الانتخابات، تساءل الجميع عن طبيعة التحولات التي سيشهدها المغرب في المستقبل المنظور، وطبيعة التحالفات الممكنة لتشكيل الحكومة المقبلة، وتحديات مرحلة ما بعد تشكيل أول حكومة في ظل دستور2011م. أسباب الفوز مصطفى الخلفي، مدير «المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة»، ذهب إلى أن موقف المؤسسة الملكية كان حاسماً في المسار الذي اتخذته الانتخابات الأخيرة، واعتبر أن تلك الانتخابات هي عبارة عن امتحان للدستور الجديد، وامتحان لخيار المشاركة الذي يتبناها «العدالة والتنمية»، وكذلك امتحان لحركة «20 فبراير»، بقدر ما كانت امتحاناً للمؤسسة الملكية، معتبراً أن الشرعية الانتخابية التي حصل عليها الحزب الإسلامي تدفع الجميع إلى التساؤل: ماذا بعد؟ مؤكداً أن التحديات المطروحة على مستقبل المغرب تتجلى أساساً في ضرورة ربح تحدي تنزيل مقتضيات الدستور الجديد، من خلال إخراج القوانين التنظيمية، وتدبير ملف التعيينات في المناصب السامية.. وقال الخلفي: «الحكومة المقبلة أمامها تحدٍ كبير عنوانه: إعادة بناء دولة الحق والقانون وتكريس منظومة الحكامة الجيدة». واعتبر الخلفي أن ثلاثة محددات أساسية ستحكم مستقبل المغرب؛ أولها: طبيعة العلاقة التي ستُبنى بين المؤسسة الملكية ورئاسة الحكومة. وثانيها: طبيعة التحالف الحكومي ومكوناته. وثالثها: طبيعة حركة الشارع ودور المجتمع المدني. أحد عشر سبباً وأما الأستاذ المعطي منجب، مدير مركز «ابن رشد للدراسات والاتصال»، فقد نبه في مداخلته التي حملت عنوان «أسباب نجاح «العدالة والتنمية» والدروس المستفادة» إلى أن فوز الحزب الإسلامي في انتخابات 25 نوفمبر 2011م تعود إلى العديد من العوامل والأسباب، عدَّدها في 15 عاملاً.. أول تلك العوامل، وفق منجب، هو «استفادة «العدالة والتنمية» من واقع الحراك الاجتماعي الذي عرفه المغرب منذ اندلاع الربيع العربي»، العامل الثاني الذي استفاد منه حزب «العدالة والتنمية» في تحقيقه للفوز هو «استثماره الذكي لمواقف الفئات المحافظة داخل المجتمع المغربي، والتي تحبذ دائماً منطق التغيير التدريجي والسلمي، والمسالك النابذة للعنف». من جهة أخرى، أبرز منجب بأن انتخابات 25 نوفمبر كشفت كعامل ثالث مؤثر في الفوز، الذي وصفه بالبين، للعدالة والتنمية، ويتمثل في ظاهرة سطعت على ساحة الفعل السياسي بالمغرب سماها «ظاهرة بن كيران»، وقال منجب: «بن كيران» خلال مراحل المسلسل الانتخابي تحول إلى أهم فاعل في ساحة الصراع السياسي بالمغرب، لقد سجل حضوراً قوياً، ورأى فيه المغاربة ذلك الإنسان العفوي القريب من همومهم.. أما العامل الرابع فلخصه منجب بقوله: «العدالة والتنمية استفاد من تواجده لمدة 16 عاماً في صفوف المعارضة»، وتوقف منجب عند عامل خامس، ويتمثل في «استفادة الحزب من ذلك العداء الصارخ الذي عومل به بعد انتخابات 2007م من قبل عدد من مهندسي السلطوية السياسية الجدد (فؤاد عالي الهمة نموذجاً)، ذلك الهجوم الممنهج على الحزب من قبل متنفذي التسلطية؛ رأت فيه شرائح واسعة من المجتمع المغربي، سلوكاً غير ديمقراطي، وبالتالي فإن تلك الأوساط تعاطفت مع الحزب».. وكعامل سادس، شدد منجب على «استفادة الحزب من تبنيه لمقاربة الديمقراطية الداخلية لإفراز قياداته المركزية والمحلية، وهو ما ساهم في دوران النخب داخل الحزب».. عامل سابع ساهم كذلك، حسب الباحث، في بروز حزب «العدالة والتنمية» كقوة حزبية أولى في المشهد السياسي المغربي، وهو: «انتهاج الحزب لإستراتيجية الانفتاح على المجتمع وتبني سياسة القرب مع الشرائح المجتمعية في القرى والحواضر، كما أن استقلالية قرار الحزب عن حركة التوحيد والإصلاح في تدبير إستراتيجياته السياسية ساهمت في إضفاء نوع من الديناميكية على عمل الحزب في الميدان». في ذات التحليل، وفي العوامل السياسية نبه منجب إلى عدد من أسباب نجاح «العدالة والتنمية»، من أبرزها مقاطعة عدد من الأحزاب السياسية القريبة من طروحات العدالة والتنمية للانتخابات كعامل ثامن (حركة 20 فبراير، اليسار الموحد نموذجاً).. تاسع العوامل يتمثل في: «ضعف التوجهات الحزبية اليسارية، بخصوص القضايا السوسيولوجية»، واعتبر منجب، العامل العاشر في نجاح الحزب هو تراجع دور الأعيان في رسم معالم تمثلات المغاربة للسياسة»، وذهب منجب إلى أن انتخابات 25 نوفمبر أفرزت معطى سوسيولوجياً مهماً، عنوانه أن المغرب دخل فعلياً في «تفكيك ظاهرة صنع الأعيان للمشهد الانتخابي».. من معالم هذا المشهد الجديد الذي بدأ في التشكل دون الاعتماد على ظاهرة الأعيان وفق تحليل منجب، أن حزب «العدالة والتنمية» اعتمد بنسبة 95% على مرشحين لا ينتمون إلى طبقة الأعيان، وحقق نتائج قوية حتى في القرى، التي ظلت على طول السنين رصيداً انتخابياً يكاد يكون حكراً على الأعيان، لم يتمكن حزب سياسي وطني من اقتحام ساحته قبل حزب «العدالة والتنمية». العامل الحادي عشر الذي صنع فوز «العدالة والتنمية» يتمثل حسب ذات القراءة السوسيولوجية لمشهد ما بعد 25 نوفمبر 2011م هو «التحول الذي طرأ في عقل الدولة»، حسب منجب: «تبنت مقاربة تقتضي ضرورة الحفاظ على الوضع النموذجي للمغرب في المنطقة المغاربية والعربية، ووقوعها ضمن صيرورة التحولات التي تعرفتها المنطقة العربية بعد «الربيع العربي»، وتوقف الباحث عند عامل مهم جداً صنع الحدث خلال الانتخابات الحالية ويتجلى في بروز ظاهرة الناخب الإستراتيجي، ذلك أنه وفق ذات القراءة، أن عدداً من المواطنين صوتوا للحزب الإسلامي وفق التعهدات الواردة في برنامجه الانتخابي بغض النظر عن اتفاقهم أو اختلافهم مع التوجهات السياسية والأيديولوجية للحزب (ظاهرة رجل الأعمال المغربي والفاعل في حركة «20 فبراير»، هو الملياردير ذو الميول اليسارية كريم التازي نموذجاً، الذي صرح قبل الانتخابات بأنه سوف يصوت لحزب العدالة والتنمية). سياسة الواقعية أما عبدالرحيم المصلوحي، الكاتب العام للجمعية المغربية للعلوم السياسية، فقد اعتبر من جهته أن نجاح العدالة والتنمية في انتخابات 25 نوفمبر 2011م يعود إلى عاملين أساسيين؛ أولهما: هو أن الحزب كرس، عبر مساره السياسي، نوعاً من السياسة الملتزمة بقضايا الديمقراطية، ذلك أن خطاب الحزب ومنذ 1997م، ظل منسجماً مع التوجهات الديمقراطية، ولم تكن هناك قطائع مع إستراتيجية النضال الديمقراطي. والعامل الأساسي الثاني الذي كرس القوة الانتخابية للحزب، حسب المصلوحي، هو تبني الحزب للسياسة البراجماتية في مختلف القضايا والملفات، وكمثال على ذلك، موقف الحزب من حركة «20 فبراير»، وموقفه من التعديلات الدستورية الأخيرة المتسمة بنوع من التوازن.. هذه العوامل، ساهمت في تكريس الحزب كعنصر لضمان التوازن والاستقرار في الساحة المغربية، وكخلاصة للعاملين، شدد المصلوحي على أن «حزب العدالة والتنمية» استفاد من تبنيه للسياسة المرتكزة على الواقعية في المواقف. منحى تصاعدي اعتبر المصلوحي أن أهم سمة يمكن الخروج بها من خلال القراءة السياسية لاقتراع «25 نوفمبر» هو المنحى التصاعدي في نسبة المشاركة بعد مسلسل التراجع منذ 1977م إلى حدود انتخابات 2007م (تكشف الإحصاءات عن أن نسبة المشاركة سجلت 78% سنة 1963م، ثم 82% سنة 1977م، انتخابات 1977م كانت تعد بنوع من الانفتاح إطلاق مسلسل انتخابي واعد، بعد نهج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لما سمي آنذاك بالاختيار الديمقراطي، مقابل الاختيار الثوري الذي ظل مستمراً فيه جناح محمد الفقيه البصري، الذين انشقوا فيما بعد عن الحزب وأسسوا حزب «الطليعة الديمقراطي»، وهذا ربما يفسر النسبة المرتفعة أي 84%، وفي سنة 1984م أخذت النسبة في التراجع؛ إذ سجلت هذه السنة 67.48%، و63.9% سنة 1993م، و58.30% سنة 2002م، و37% سنة 2007م). وأبرز الباحث في العلوم السياسية، على أن هذا المنحى التصاعدي، يجد تفسيراته، إلى جانب تأثير «الربيع العربي»، في التعديلات التي عرفتها الترسانة القانونية المؤطرة للانتخابات، ومن أبرز معالمها تأكيد الفصل 11 من دستور 2011م على معطى قدسية الانتخابات، إضافة إلى إسناد ترؤس اللجان الانتخابية المحلية إلى القضاء، وتراجع دور الإدارة في توجيه العملية الانتخابية، والتطور الحاصل في الوعي السياسي والانتخابي لدى المغاربة.. وهي عوامل ساهمت في الحد من «الخروقات الانتخابية الجسيمة ومن المال السياسي»، وأفرزت ظهور الوزن الحقيقي لكل حزب سياسي، وكانت المحصلة النهائية «تكريس «العدالة والتنمية» كأول قوة حزبية في مغرب اليوم». ونبه المصلوحي إلى أنه «لو تم اعتماد النظام الاقتراعي الأحادي الفردي لحصل الحزب الإسلامي على أكثر من 200 مقعد انتخابي، كما أن اعتماد نظام اللائحة بعتبة 6% (بدل عتبة 3% المعتمدة حالياً) كان كفيلاًً بأن يرفع حصة «العدالة والتنمية» من المقاعد التي حصل عليها، والتي تعتبر مهمة جداً، بالنظر إلى نظام الاقتراع المعمول به حالياً. بشأن تحالفات ما بعد الاقتراع، أبرز المصلوحي على أن المنطق يشير إلى ضرورة أن يؤسس «العدالة والتنمية» تحالفه الحكومي ارتكازاً على أحزاب «الكتلة الديمقراطية»، وشدد المصلوحي على أن الانتقال نحو الديمقراطية يتطلب إعادة إحياء الكتلة التاريخية، وهي القادرة على إخراج المغرب من عنق السلطوية.. وقال المصلوحي: يجب تأسيس تحالف حكومي قوي من أجل التفاوض من موقع قوة لإعادة هيكلة بنية الدولة المغربية.. مضيفاً: «لا أتصور أداءً فعالاً لحزب «العدالة والتنمية» بدون التحالف مع أحزاب «الكتلة الديمقراطية»؛ ذلك أن أبرز التحديات المطروحة على الحكومة المقبلة وفق ذات القراءة، تتمثل في إخراج القوانين التنظيمية والمؤسسات الدستورية التي نص عليها دستور 2011م».. وشدد المصلوحي على أن «الظرفية السياسية التي يجتازها المغرب، تتطلب الفعل السياسي الملتزم، كآلية للخروج من السلطوية». وكخلاصة، نبه المصلوحي إلى أن نجاح الحكومة المقبلة رهين بالتطبيع الديمقراطي لآليات الحكم في المغرب، والتأويل البرلماني للوثيقة الدستورية.. وبالنسبة لرئيس الحكومة، يرى المصلوحي أن موقع رئاسة الحكومة وفق الدستور الجديد يحتاج لشخصية كاريزمية قوية قادرة على إدارة التفاوض السياسي مع مختلف الفاعلين السياسيين. استحقاقات انتخابية وفي قراءته للاستحقاقات الانتخابية، توقف مصطفى الخلفي، مدير النشر لجريدة «التجديد»، عند ثلاثة مستويات لفهم ما جرى؛ أولها: قراءة في النتائج التي حققها حزب «العدالة والتنمية»، وثانيها: القراءة في نسبة المشاركة الانتخابية، أما المستوى الثالث: فهو سلوك الإدارة خلال مراحل المسلسل الانتخابي. وفهم ما حصل في انتخابات مجلس النواب من جهة الفوز الذي حققه حزب «العدالة والتنمية»، ولفك مفاتيح الفوز وفق المعطيات الأولية المتوافرة، توقف الخلفي عند عوامل موضوعية ثلاثة، وعوامل ذاتية صنعت فوز الحزب الإسلامي؛ أول العوامل الموضوعية، فتتمثل في: «مسار الربيع العربي»؛ هذا العامل ذو مؤشرات ثلاثة وفق رؤية الخلفي؛ أولها: «نهاية فزاعة الإسلاميين التي كانت تستعملها مختلف الأنظمة السياسية في العالم العربي»، ثاني المؤشرات: «إعادة الاعتبار للشعوب في المنطقة العربية في أمر تقرير مصيرها السياسي»، وثالث المستويات التي أفرزها «الربيع العربي» الجاري هو: «تأكيد التلازم بين مقولة الاستقرار بحالة نزاهة الانتخابات (التجربة المصرية في انتخابات مجلس الشعب سابقاً)».. والعامل الموضوعي الثاني المتحكم في فوز «العدالة والتنمية» يتمثل في «معطى الحراك المجتمعي الديمقراطي الذي عرفه المغرب». إنه حراك مستمر قادته حركة «20 فبراير» ساهم أثره، حسب الخلفي، في تشكيل آلية للضغط على منظومة التسلط، وبالتالي وضع المغرب خلال انتخابات 25 نوفمبر موضع اختبار وتتبع من قبل الفاعلين الدوليين والرأي العام الوطني.. أما العامل الموضوعي الثالث المساهم في فوز «العدالة والتنمية» فيتجلى في كون: «آليات التحكم التقليدية التي كانت معتمدة في السابق لم تعد ذات جدوى». عوامل ذاتية إلى جانب العوامل الموضوعية، استفاد الحزب الإسلامي من استثمار عدد من العوامل الذاتية لتحقيق الفوز، منها أولاً: «التكيف الذي قام به الحزب للحد من آليات التحكم التقليدية في المسلسل الانتخابي (الاعتماد على 35 ألف مراقب في المكاتب بنسبة تغطية بلغت 85%)، كذلك الحرص على استلام المحاضر، والاعتماد على شبكة معلوماتية لضبط الخروقات الانتخابية، («العدالة والتنمية» وجه يوم الاقتراع وحده 50 رسالة إنذار وتنبيه إلى وزارة الداخلية لضبط الخروقات الانتخابية)، العامل الذاتي المساهم في فوز «العدالة والتنمية» يتمثل في قيام الحزب بحملة انتخابية من خلال استثمار التصويت العقابي على الحكومة، من جهة أخرى اعتمد الحزب الإسلامي على نوعية «مميزة» من المرشحين المفرزين عبر آلية الديمقراطية الداخلية، كما ركز الحزب على تقديم حصيلته البرلمانية وحصيلة الجماعات التي يسيرها». تحولات حاسمة وتوقف الخلفي عند بعض ما أفرزته انتخابات 2011م من تحولات، منها ما يهم نتائج حزب «العدالة والتنمية» في مدينة مراكش مثلاً وتصويت التيار السلفي على لوائح الحزب، كذلك النتائج التي حققها الحزب في المناطق الأمازيغية، حيث سجل الخلفي أن الحزب حقق نتائج مهمة في تلك المناطق الأمازيغية (سوس ومنطقة الأطلس) والتي خرجت منها نداءات من الجمعيات التي نادت إلى مقاطعة الحزب، لكن نتائج الحزب في تلك المناطق كانت مهمة.. وبالمقابل هناك ضعف لتواجد الحزب في تضاريس المناطق الأمازيغية الريفية؛ مما يستدعي نوعاً من التحليل العلمي والسوسيولوجي للإحصاءات التي أفرزها اقتراع 25 نوفمبر 2011م.

 

الرباط: ابراهيم الخشباني

مجلة المجتمع الكويتية