قيم الدولة في "التجربة النبوية" من العصبية القبلية إلى دولة المواطنة

قيم الدولة في "التجربة النبوية" من العصبية القبلية إلى دولة المواطنة

  • ل: دكتور: حسن سعيد تلموت
عن هذا الاصدار :

 

  • 1) مقدّمات لا بُدَّ منها 
  • في تعريف "القيم":

مِن قَيَّم الشيء تقييما، قدر قيمته، وقوام الأمر نظامه وعماده، والاستقامة الاعتدال يقال: استقام الأمر، وقوام الأمر عماده. وقومت السلعة جعلت لها قيمة وثمنا، واستقمته ثمنته، واستقام اعتدل....[1]

من هذه المقاربة اللغوية السريعة نتلمس المسار الذي تنتظم فيه معان الكلمات المكونة من مادة "ق.ي.م" إذ يتبين أنَّ "القيم" هي كل المعاني التي تتلبس بأفعال الناس فتعطيها "قيمة". بمعنى أنها تثمنها تثمينا رمزيا، بأن تصير "القيمة" المتلبسة بالفعل المعين، هي الحكم الملازم له والمصاحب له. كأن يثمّن فعل معين بأنه "فعل/إنساني" أوبأنه "فعل/لا إنساني"....

  • في اعتبارنا تأسيس دولة النبوة "تجربة":

لعل البعض ينكر علينا تسمية الفعل النبوي "تجربة" مدافعا رأينا السالف بدفوعات من بينها:

أن الفعل النبوي ممهد له بالوحي وهذا يلغي كونه "تجربة"، وذلك لقوله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى 3 إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[2]؛.

أنَّ تسمية الفعل النبوي تجربة يزيل عنه صفة القداسة والإطلاق ويحد من دوره التشريعي والتوجيهي في المجتمع؛

أنه يجعل الأفعال النبويه شبيهة بأفعال الناس مما يجعل عمومهم يتطاولون عليه في غير احترام، الأمر الذي لا يُقبل تجاه الصحابة الكرام مثلا وعموم العلماء فما بالك بفعل الرسول (ص). ونحن هنا نقول إن كل أفعال الرسول يمكن اعتبارها تجارب بشرية قابلة للتقويم لا تختلف عن عموم تجارب الناس إلا ما جاء على سبيل التبليغ ابتداء، أي ما دلَّ السياق على أنه وحي من الله والنبي صلى الله عليه وسلَّم مُبَلِّغ عنه لا غير، أما غير ذلك فهو تجربة لشخص النبي باعتباره بشرا، وهنا لابد من بيان قاعدة متوافق عليها وهي:

  • أن الفرق بين تجارب النبي (ص) وتجارب غيره هو أن التجربة النبوية إما أن يزكيها الوحي وإما أن يقومها، فتصير بعد ذلك التزكية أو التقويم بالوحي حاملا صفة الإطلاقية وليس التجربة في ذاتها. وهذا المعنى هو ما نرى أن الآية الكريمة في آخر سورة الكهف تحيل عليه «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ»[3].
  • قال الإمام القرطبي في بيان معنا قوله تعالى: " َشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ" يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع اعتناق الوحي فإن الله أذن لرسوله في ذلك"[4].
  • فانظر كيف فهم الإمام القرطبي أن الآية الكريمة تؤسس لـ"الاجتهاد" النبوي وهو ما أسماه لأخذ بالظنون" مع إبقائه على الوحي كمقوم لهذا الاجتهاد قال صاحب الكشاف: "وشاورهم في الأمر، يعني في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي لتستظهر برأيهم[5]" وهذا معناه بلغتنا المعاصرة أن مدار الأمور التي لم يثبت فيها نزول الوحي ابتداء، هو على التجربة المبنية أو المستخلصة من المشاورة.
  • تفكيك بنية "اللاقيم" في المجتمع، وتأسيس الدولة على مرجعية "القيم" في التجربة النبوية
  • الفصل مع "القبيلة" كبنية مجمعة وتعويضها بمنظومة "الدولة":

تبعا للتعريف السالف لمفهوم "القيم" والذي بسطنا فيه القول، فإننا سنعتمد في دراستنا هذه تقسيم المعايير التي تُقَوَّم بها السلوكات الإنسانية عموما إلى "لا قيم" و"قيم"، تبعا لمرجعية التوافقات الإنسانية العامة، كما الاختيارات الشرعية التي دلت عليها نصوص الشرع "قرآنا وسنة".

لا نقصد هنا -ابتداء- أن الإسلام جاء لإلغاء "القبيلة" كوحدة للانتساب، وإلا كنا متهورين في الجزم بأمر مردود بأقل جهد في البحث التاريخي والتأمل الواقعي، لكنا نقصد أن الإسلام جاء بفهم واع، فهم يقرر أنه لا بد من الانتقال من منظومة "القبيلة" على المستوى التقني العملي إلى منظومة أرحب وأوسع تتجمع فيها الجهود وتتوحد، كما يمكن لها أن تجمع الأشكال الأخرى للانتساب بحيث يحس أفردها بالتساوي كما يحسون بالتكافؤ، وواع أيضا، لأن تجربة النبوة أسست لمنظومة الدولة بوعي تام أنها المؤسسة التي تؤدي الدور المركزي بحيث ستنصهر فيها الخصوصيات إلى حد بعيد، الأمر الذي سيمكن الدعوة الجديدة من الانتشار، كما ستتمكن مكونات هذه الدولة من المساهمة في الحراك الثقافي العالمي والإضافة النوعية، والكمية في التراكم الذي يشكل أنساق تطور الإنسانية عموما.

 من هنا خطط الإسلام لتحويل وجهة المسلم من مرحلة القبيلة إلى مرحلة الدولة عبر محطات انتقالية:

  • محاربة "اللاقيم" في التجمع الإنساني؛ قانون العصبية القبلية نموذجا:

إن "العصبية" باعتبارها شعورا نفسيا، من الظواهر التي رافقت تكون القبيلة كبنية مجمعة، حتى صارت قانونا مساهما في تشكيل الوعي، ولأنها ظاهرة سبقت بعثة النبي، كما صاحبت حركة تمدد دعوة الإسلام، فقد كان لزاما أن يتجلى موقف الإسلام منها واضحا دون التباس. الملاحظ لأحكام الفقه الإسلامي ولخطابه التقويمي على الصعيد الأخلاقي لا يجد كبير تعب في رصد أنه عدها من "اللاقيم"، أي أنها من الآفات الأخلاقية التي تفجر المجتمع حتى يأتي بنيانه من القواعد، فقد جاء في صحيح البخاري:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ : فَجَاءَ قَوْمُ ذَا، وَقَوْمُ ذَا، فَقَالَ هَؤُلاءِ: يَا لِلْمُهَاجِرِينَ! وَقَالَ هَؤُلاءِ: يَا لِلأَنْصَارِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ j، فَقَالَ: " دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ "، ثُمَّ قَالَ: " أَلا مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّة ؟ أَلا مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟ "[6].

ولا يخفى أن "النتانة "هي أقصى درجات العفونة المختلطة بأقصى درجات سوء الرائحة، ولمثل هذا أدرج الإسلام العصبية القبلية ضمن دائرة "اللاقيم" لأنها من المحاليل التي تحول دون تحقق اندماج الثقافات المكونة للمجتمع، بل إنها تمنع حتى تلاقحها واستفادتها من بعضها البعض، الأمر الذي يلغي إمكان تحول جماعة الناس من التراكمية إلى النسقية، أي  يمنع تحوله من تجمع عبثي أو ترابط بسيط إلى ترابط معقد تجليه الأصغر، دولة متوافق على مؤسساتها، وتجليه الأعلى أمة تصاغ قيمها الجمعية صياغة رمزية تتداخل فيها عناصر التنظيم بعناصر الوعي وتخلق في المحصلة قانون التداعي "تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، الأمر الذي لا يتيسر مع سيادة قانون "العصبية" الذي يتحول بفعل تربوي توريثي إلى "ثقافة" تقوض بنيان القبيلة من حيث يتوهم المتلبس بهذه الثقافة أنها تزيد من ترابطها، حيث يجعلها تجمعا يغطّي ظاهره الذي يوهم بالانسجام باطنا مشحونا، يعتبر فيه كل منتسب إلى قبيلة نفسه وأسرته الملاذ الآمن الذي له الفضل على القبيلة نفسها، تماما كما لقبيلته الفضل على الدولة، وكما لدولته الفضل على الأمة، وهكذا في سيرورة لا متناهية لا تساعد على التأسيس بل تدفع إلى التآكل، وفهم هذه المسألة غاية في الأهمية، إذ أن "ثقافة" التعصب تصنع "قانونا" قوامه رفض "الآخر" والتعالي عليه بما هو آخر، أي لا لشيء سوى أنه مغاير للذات. ولأن الآخر المغاير للذات تتعدد صوره وأشكاله، ولأن "القانون" أعمى يشتغل بشكل تلقائي متى توفرت شروطه، فإن شروط اشتغال قانون "التمركز على الأنا ورفض الآخر" بدافع العصبية يجعل "الأنا" أيضا تتعدد تمظهراتها في مقابل "الغير"، في سيرورة تبدأ برفض الآخر غير المنتسب للأمة أو للدولة أو للقبيلة باعتباره آخر مغايرا للذات في شكلها المعقد، و تنتهي برفض الآخر الغير المنتسب للأشكال التجمعية الأضيق كالعائلة أو الأسرة وإن كان ينتسب إلى أشكال التجمع الأعقد السالفة الذكر، وتختم في نهاية الأمر بالتعصب ضد كل من لا يتسق مع المصلحة الشخصية. ولعل المثل الدارج على ألسن الناس "أنا ضد أخي و أنا و أخي ضد ابن عمي و أنا وأخي و ابن عمي ضد الغريب" -أيا كانت درجة قرب هذا الغريب في تسلسل تدريجي يرتقي ثم ينزل حتى يستقر عند الذات- أقول لعل هذا المثل ذا دلالة واضحة على ما ذهبنا إلية[7].

وبناء على ما بينا سلفا فإن الإسلام كان واعيا بأن انتشار ثقافة التعصب الأعمى -باعتبارها لا قيمة- مناقضة لقيم الانفتاح التي جعلها من بين أرحب الفضاءات التي أسسها، وكان واعيا أيضا بأن عدم محاربة هذه الثقافة الموبوءة يؤدي إلى استفحالها في جسم دولة الإسلام قيد التشكل، الأمر الذي يعجّل انهيار الدولة، إن لم نقل أنها بالتطبيع مع هذه الثقافة ستولد ميتة في مهدها أصلا.

من منطلق "لا قيمية" هذه الثقافة ومناقضتها لمشروعه التحرري، سعى الإسلام إلى جذورها فحاربها باعتبارها قانونا اجتماعيا كان مسلما به قبله، واعتبر العودة إليها بعد الشفاء منها "كفرا"، إذ أشار بوضوح في "القرآن الكريم" إلى أن أسمى أماني أعداء هذه الدولة القائمة هو رد مواطنيها المؤمنين كفارا بردهم إلى ثقافة "العصبية" أو "قانون العصبية" قال الله تعالى ﴿يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ كَـٰفِرِينَ[8] والنبي (ص) سماها "دعوى الجاهلية"، عند تقويمه للسلوكات التي كانت سببا في نزول هذه الآية، ذلك "أن الأوس والخزرج  كانوا في الجاهلية قد تخاذلوا وتحاربوا حتى تفانوا، وكانت بينهم حروب وآخرها يوم بعاث التي انتهت قبل الهجرة بثلاث سنين، فلما اجتمعوا على الإسلام زالت تلك الأحقاد من بينهم وأصبحوا عدة للإسلام، فساء ذلك يهود يثرب فقام شاس بن قيس اليهودي، وهو شيخ قديم منهم، فجلس إلى الأوس والخزرج، أو أرسل إليهم من جلس إليهم يذكرهم حروب بعاث، فكادوا أن يقتتلوا، ونادى كل فريق : يا للأوس ! ويا للخزرج ! وأخذوا السلاح ، فجاء النبيء (ص) فدخل بينهم وقال : أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ وفي رواية: أبدعوى الجاهلية؟ أي أتدعون بدعوى الجاهلية وقرأ هذه الآية، فما فرغ منها حتى ألقوا السلاح، وعانق بعضهم بعضا، قال جابر بن عبد الله : ما كان طالع أكره إلينا من طلوع رسول الله، فلما أصلح الله بيننا ما كان شخص أحب إلينا من رسول الله، فما رأيت يوما أقبح ولا أوحش أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم" [9].

فانظر كيف كان الانتساب إلى قبيلة"الأوس" أو "الخزرج" دافعا لنشوء قانون يُستدعى كلما احتيج إليه لخلق الفتنة في بلد ما. وهذا هو جوهر ما يسمى اليوم ب"الطائفية" أو "العرقية" وهي معطيات وعناصر تخضع لنفس القانون، قانون "العصبية" الذي يُراهن فيه على تهييج الانتساب وتضخيم "الأنا" الفردية أو الجمعية في مقابل "الآخر" كيف ما كان هذا الآخر فردا أو جماعة.

  • التأسيس لمفهوم جديد وحيوي لـ"العصبية":

بيَّنَّا أنَّ الإسلام رَفَضَ "قانون العصبية" بحمولته "اللاقيمية" للاعتبارات التي سلف ذكرها، لكنه جريا على منهجه في التقويم عوض الرفض العدمي فقد عمد إلى إعادة تصنيعه مفهوما حيويا ذا دلالة قيمية منتجة، معالم ذلك المفهوم هو الذي رصده ابن خلدون في مقدمته، إذ يقول:

"فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يعينهم على القيام بأمر الله، ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويأخذهم بمحمودها، ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق تم اجتماعهم وحصل لهم التغلب والملك"[10].

الإجماع على النبي أو الولي أو الملك اجتماع يصنع تعصبا ذا دلالة مغايرة لتلك التي رصدنا عيوبها إذ هي أقرب إلى التجمع حول فكرة "كنتم خبر أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر"[11] تضمن لمعتنقيها وحدة عضوية تحفزهم إلى نشرها والسعي لتكثير متبنيها لكنها في آخر الأمر لا تنغلق دون من يريد الانضمام إليها كما أنها لا تستهجن غيرها بل تقبل حضوره وتتغيّا مدافعته بالتي هي أحسن مستكشفا أنه بهذه الدلالة يصير متوافقا مع قيم الإسلام، إذ أن العصبية في الدولة الإسلامية تصير أقرب "إلى الجماعة التي ضمها العيش لفترات في مكان معين، وارتبطت مصالحها وتكونت ثقافتها المشتركة، بحيث وجب عليها أن تكون قوة واحدة للوقوف في وجه التحديات.[12]

إذ أن تجربة النبوة في دولة الإسلام -كما هو منهج الإسلام عموما- لم تسر مسارا عدميا رافضا "العصبية" دالا ومدلولا، ولكنها سارت مسارا تهذيبيا توليديا. حولت دلالة "العصبية" من مساحة "اللاقيمة" التي هي مسار معطل للفعل الحضاري العمراني إلى مسار آخر ذا دلالة "قيمية" مؤسسة للعمران فاعلة في بناء الحضارة، فنتج عن ذلك ما لحظه مؤرخ و فيلسوف في مكانة "ابن خلدون": "وقد كان وقع في صدر الإسلام الانتماء إلى الموطن، فيقال: جند قنسرين، جند الشام، جند دمشق، جند العواصم، وانتقل ذلك إلى الأندلس، ولم يكن لاطّراح العرب أمر النسب، وإنما كان لاختصاصهم بالموطن بعد الفتح حتى عرفوا بها، وصارت لهم للأمة زائدة على النسب يتميزون بها عند أمرائهم، ثم وقع الاختلاط في الحواضر على العجم وغيرهم، وفسدت الأنساب بالجملة وفقدت ثمرتها من العصبية، فأطرحت ثم تلاشت القبائل ودثرت، فدثرت العصبية بدثورها"[13].

وهنا لا بد من الملاحظة أن دلالة العصبية عند ابن خلدون لا تعني أكثر من النسب، أي الانتماء، ولا مدخل للدلالة اللأخلاقية/اللاقيمية المذمومة شرعا في هذا المعنى، بل إن ابن خلدون يشير إلى أن تأسيس الدولة الإسلامية كان سببا في اندثار "العصبية"-باعتبارها انتسابا قبليا– اندثارا عمليا بعد ما أدى رفضه لمترتباتها اللا قيمية واللاأخلاقية إلى اندثارها نظريا.

وهذا توضيح من مؤرخ وعالم "حضارة" مبرز يبين المنهج الذي سلكته التجربة النبوية في -دار الإسلام- للفصل مع نظام "القبيلة" ليس كقبيلة ولكن كبنية مجمعة. ومعالم هذا المنهج حسب "ابن خلدون" هو التحول نحو الدولة/الحضارة وذلك بالانتماء إلى المواطن فصارت للمواطن علامات زائدة على النسب ثم الاختلاط، مع غير المنتسبين إلى القبيلة في الحواضر وكذا اندثار الانتساب إلى القبيلة ليحل محلها الانتساب إلى الدولة ككيان مجمع بديل، ومنه إلى الأمة كمجال أوسع. وهنا لا بد من الانتباه إلى كلمة "الاختلاط في الحواضر مع العجم وغيرهم" -في ما نقلناه عن ابن خلدون سلفا- فهي تحيل إلى قيمة مضافة يحملها هذا "الاختلاط" إذ أن هذا المفهوم يرادف في لغتنا المعاصرة مفهوم "التلاقح" و"التفاعل" بين الثقافات فقد كانت دولة الإسلام التي أسستها التجربة النبوية فضاء لهذا التفاعل والتلاقح بين القبائل -من جهة- وبين مختلف الشعوب التي انتسبت إلى هذه الدولة، وما تجربة حفر الخندق وموقف عرب قريش منه إلا مثال على ما ذهبنا إليه: "فلما سمع رسول الله (ص) بِسَيْرِهِم إليه؛ استشار الصحابة فأشار عليه "سلمان الفارسي" بحفر خندق يحول بين العدو وبين المدينة فأمر به رسول الله فبادر إليه المسلمون[14]. فالإشارة من "الفارسي" والأمر بالعمل من رئيس الدولة والمبادرة من الشعب "المسلمون"، هذا التفاعل هو الذي أعطى تعددية الدولة الإسلامية قيمتها، يزكي فكرة التلاقح هذه موقف العرب من التجربة الوافدة، فلما وقفوا عليه (الخندق) قالوا: إن هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها"[15].

  • التأسيس للانتساب إلى الدولة على أساس المواطنة

أ_ في ماهية "المواطنة"

المواطنة والمواطن مأخوذة في العربية من الوطن أي المنزل تقيم به وهو موطن الإنسان ومحله (...) توطن البلد اتخذه وطنا (...) والمواطن الذي نشأ في وطن ما وأقام به[16]" "تعرف الموسوعة العربية العالمية المواطنة بأنها "اصطلاح يشير إلى الانتماء لأمة ووطن[17].

إن مدار مفهوم المواطنة كما رأينا وكما تذهب إلى ذلك دلالة اللغة عموما على الانتماء الجغرافي ثم يليها الاشتراك الثقافي وهو ما تدعمه الدراسات الدستورية التي تجعل من شروط تأسيس الدول الترابط بين الجماعة البشرية والرقعة الجغرافية.

ولقد كان التأسيس لمبدأ ارتباط الإنسان بالأرض في الفكر والممارسة الدستورية الإسلامية في إطار المواطنة الكاملة وعيا استباقيا. إذا استحضرنا أن العالم والمحيط العربي حينها لم يكن يعرف هذا النوع من الانتساب أمام طغيان الانتساب إلى العصبية القبلية أو الانتماء العقدي...

فمن الناحية النظرية ذكر القرآن الكريم أن "الأخوة" يمكن أن تبنى على أساس الانتماء للوطن في مثل قوله تعالى: " وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا "[18]

وقوله تعالى "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا "[19]

وقوله تعالى "إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ"[20]

فالآيات الثلاث السالفة جعلت الأنبياء -الذين يحملون رسالة مناقِضة مناقَضة بنيوية للمرجعيات المستحكمة في أراضيهم- إخوة لمواطِنيهم، أُخُوة لا يمكن أن تفهم إلا في سياق الانتساب إلى الجماعة المستوطنة للأرض وإن كانت المفاصلة حاصلة مع العادات والثقافات الموروثة من تفاعل هذه الجماعة مع التاريخ.

 فقوله تعالى:" وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا" أي أرسلنا إلى قوم عاد أخاهم: "أي واحدا من قبيلتهم أو صاحبهم[21]"فالإشارة هنا واضحة إلى أن المقصود بالأُخُوة أُخوة الانتماء إلى الوطن الواحد بجغرافياه وتاريخه وقدره المشترك.

ب_ إشكالات بين يدي مفهوم المواطنة "أهل الذمة/ الجزية" نموذجا:

لا يخفى أن الارتباط مع الدولة برباط المواطنة يجعل جميع أفرادها متساوين في الحقوق والواجبات فلا تمايز بينهم بمميز دين أو عرف أو لغة أو غيرها، هذا من معالم الدولة المدنية الحديثة.

ولما كان تأصيل مفهوم كهذا في وعي أناس خرجوا لتوهم من رابط "القبيلة" يحتاج إلى مرحلة انتقالية يراعى فيها احترام مراحل استكمال نضج شروط تنزيله -إذ أن الجماعات المكونة للدولة الوليدة ما زالت روابطها المؤسسة على مرجعيات تمييزية بين الأفراد قيد التحلل-فإن تحلل هذه الروابط قد احتاج إلى مرحلة انتقالية حكيمة، سياستها المركزية تقييد عناصر التمييز وتقوية عناصر التثاقف والتحول نحو رابطة المواطنة الرافضة لكل أشكال التمييز.

أهم معالم هذه المرحلة الانتقالية كانت نحت اصطلاحات ذات طبيعة انتقالية تؤدي دور التأليف والتجميع مع كون تلك الاصطلاحات وحمولاتها المفاهيمية في بنيتها قابلة للتآكل والزوال مع تطور التاريخ. وتلك تحديدا أهم خصائص مصطلحي "أهل الذمة" و"الجزية" على سبيل المثال لا الحصر، ذلك أنها لم تُسْنَد بالتأصيل القرآني-حتى- فنحن نقف في حقيقة الأمر في مواجهة صيغة لا تستند إلى نص قرآني، واستخدامها في السنة النبوية كان من قبيل الوصف لا التعريف الأمر الذي لا يصنفه في أي درجات الحكم الشرعي الملزم"[22].

ولهذا كان المفهومان متضافران في خلق حالة انتقالية في ذهن المسلم حينها، انتقال من مرحلة "أهل الذمة الذين يؤدون الجزية"، إلى مرحلة "مواطنين كاملي المواطنة". وقد حرر بعض الباحثين  القول في هذا الاصطلاح، ونحن نتفق مع استنتاجاتهم التي خلاصتها أن هذين الاصطلاحين إنما كانا أداة لحفظ حقوق غير المسلمين في زمن لم يكن الشخص يأنس في نفسه دافعا قويا للتضحية في سبيل حماية مساحة جغرافية ينتسب إليها، لكنها لا تعني له الكثير إذ أنه لا يشترك مع أهلها معتقدهم الديني، ولأن الوعي الاستباقي للتجربة الإسلامية بأن المواطنة لا تتأسس على العقيدة فقط وإنما تتأسس أيضا على أمور أخرى ستتجلى حتما مع تطور التاريخ، فقد وضع مبكرا قانونا صارما عبر عنه  في وعي أبنائه بمقولة "لهم مالنا وعليهم ما علينا"[23].

يظهر للمتأمل أن مبادئ الإسلام وأوامره الصارمة التي أطرت سلوكات سياسييها منظرين كانوا أم قادة كانت تدفعهم بلطف في اتجاه حركة التاريخ التي مصيرها أن تصل إلى محطة يتساوى فيها الناس تحت لافتة المواطنة التي توجب التساوي في الحقوق والواجبات "فأما ما يؤخذ منهم من جزية، فهو مقابل ما يؤدي المسلمون من الزكاة، مساهمة في نفقات الدولة التي تحميهم كما تحمي رعاياها المسلمين سواء والتي توفر لهم العدل المطلق بلا تفرقة ولا تمييز، وتحقق لهم ضماناتهم وتأميناتهم، في حالة المرض والعجز، والشيخوخة، ولم يشأ الإسلام أن يجبرهم على أداء الزكاة، لأن الزكاة عبادة إسلامية خالصة (...)، ولم يشأ أن يجبرهم على الجندية  في الصف المسلم (...) لهذا يأخذ منهم الضريبة تحت عنوان الجزية (...) فإذا شاؤوا برضاهم واختيارهم أن يؤدوا ضريبة الزكاة كالمسلمين بدل الجزية، كان لهم ذلك عن رضا واختيار، وقد اختارت قبيلة بني تغلب على عهد "عمر" أن تؤدي الزكاة لا الجزية فأدتها على هذا الأساس"[24].

توضح لنا أن مفهوم الجزية ليس مفهوما مطلقا ولكنه تعبير مرتبط بمرحلة تاريخية ولذلك قَبِل "أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" تجاوزه وإلغاءه في أول فرصة أتيحت مع قبيلة بني تغلب، فالجزية في مقابل تحقيق الأمن للمواطنين الذين لم يكونوا يدافعون عن بلادهم لدوافع معينة في انتظار تغير تلك الدوافع.

"..حقّق شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني الهندي في رسالة له نشرت في المجلد الأول من المنار أن لفظ الجزية معرب وأصله فارسي "كديت" وأن معناها الخراج الذي يستعان به على الحرب".[25]ويعزز هذا الرأي ويؤكده أن الجزية كانت تُرفع عن غير المسلمين إذا ما أسهموا في أداء واجب الدفاع ولم يتحمل المسلمون وحدهم عنهم مسؤولية المنعة ويذكر أكثر الفقهاء من بين مسقطات الجزية: الإسلام، الموت، مضي المدة، وحصول بعض الأعذار، وعجز الدولة عن حماية الذمي، وإشراك الذمي في الدفاع عن دار الإسلام: وفي تاريخ الطبري عدد من الروايات الدالة على هذا الموقف "كتاب كتبة بن فرقد إلى أهالي أذربجان (...) وفيه أنه تم الاتفاق على أن يؤدوا الجزية على قدر طاقتهم، ومن حشر منهم (أي شارك في القتال) في سنته وُضع عنهم جزاء (جزية) تلك السنة، وعندما طلب شهر براز ملك الباب في نواحي أرمينيا عن "سراقة بن عمرو" عامل عمر بن الخطاب، أن يضع عنه وعن عشيرته الجزية على أن يقوموا بما يطلب منهم ضد عدوهم، فقبل سراقة وقال له: قد قبلنا فمن كان معك على هذا مادام عليه، ولا بد من الجزاء "الجزية" ممن يقيم ولا ينهض"[26].

وخلاصة هذا الباب أن الدولة الإسلامية بَنا النبي (ص) الانتساب إليها على أرضية "المواطنة" تلك الأرضية التي اتخذت صورتها النهائية اليوم بعد مسلك تراكمي مر بمسار انتقالي كانت نتيجته واضحة ومبادئه مؤسسة منذ أول يوم. ولا يخفى أن المواطنة لها حقوق كما تفرض لها واجبات وهذه الحقوق والواجبات لا بد أن تكون واضحة وضوحا لا غبار عليه وهذا ما تعمد إليه الدول الحديثة عبر تأسيس دساتير تسطر المسؤوليات وتحدد الواجبات.

ج_ قيم "الدولة" من خلال أسسها الدستورية، تأملٌ في التجربة النبوية

تعتبر حادثة "الهجرة النبوية" انطلاقة قيام الدولة الإسلامية التي يرأسها محمد jونحن جزمنا بهذه الحقيقة - التي سبقنا إليها كثير من الباحثين على أية حال– لِما توفر لدينا من أدلة دستورية قوية على أن الشكل الذي اتخذته جماعة المواطنين في المدينة المنورة بعد الهجرة تستحق فعلا تسمية "دولة" دون تردد، فالدراسات الدستورية المعاصرة تشترط لاستحقاق كيان ما صفة الدولة أن يتأسس على ثلاث أركان، إذ يميل أغلب الفقهاء الدستوريين إلى اعتبار أركان الدولة ثلاثا هي المجموعة البشرية، والإقليم، والسلطة السياسية[27].

هذه الأركان بشروطها التي سنعرفها تباعا كانت متوفرة وبوضوح في دولة النبوة.

د_ المجموعة البشرية:

والتي لا يمكن أن تكون ركنا من أركان الدولة إلا إذا توفرت فيها قيم الانسجام والتلاحم (...) وإلا إذا توافرت في الجماعة البشرية خصائص "الأمة"، وقد انقسمت المدارس الفكرية إلى اتجاهات ذاتية تركز على العناصر المعنوية في تكوين الأمة، وهي عنصر الشعور بالانتماء إلى ماض مشترك، وعنصر الرغبة في العيش معا، في حين ذهبت المدارس الموضوعية إلى التركيز على عناصر عادية ملموسة مثل الأرض والعرق والوحدة الاقتصادية (...) فـ "الأمة" إنتاج تصور تاريخي لمجموعة بشرية تتفاعل مع بعضها وتكتسب على مر الزمان خصائص سوسيولوجية تميزها عن بقية المجموعات البشرية مثل وحدة اللغة ووحدة المصالح..."[28].

ولا شك أنه بعد الهجرة إلى المدينة المنورة تحققت لجماعة المسلمين أركان الدولة فقد تكونت الجماعة البشرية بكل الشروط السالفة، إذ إن النبي (ص)كان واعيا بأن الجماعة البشرية التي ستشكل شعب هذه الدولة الوليدة، لا زال لم يتوافر لها شرط الانسجام لتتحقق فيها صفة "الأمة". ولهذا كان أول ما فعله عليه الصلاة والسلام هو السعي لتوفير ظروف نشأة "أمة" بالمعنى الدستوري، وقد بدأ هذا الإعداد قبل الهجرة بسنوات، حين أرسل مَنْ آمن به من أهل المدينة لدعوة قومهم وجمعهم على مشروع حضاري واحد: "... وإنا قد تركنا قومنا ولا قوم. بينهم من العداوة والشر، وعسى أن يجمعهم الله بك (...) فإن يجمعهم الله عليك، فلا رجل أعز منك"[29]."فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله (ص) ودعوهم إلى الإسلام حتى غشى فيهم فلم تبق من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله (ص)"[30].

وجاءت بيعة العقبة الأولى، وأرسل مصعب بن عمير إلى المدينة المنورة وأقيمت صلاة الجمعة، ودخل وجهاء القبائل في الإسلام، وقد كانت هذه الخطوات خطوات أولية لتستوثق اللحمة بين أبناء دولة الإسلام قبل ولادتها، ولم يتحول النبي (ص) نحو التأسيس الفعلي للدولة حتى بان له حيازتها لهذا الركن الدستوري وهو ركن الجماعة البشرية التي بدأت تظهر عليها معالم أمة عظيمة قادمة وقد ظهر ذلك جليا قبل الهجرة في بيعة العقبة الثانية: "كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج (...) إن محمد آمن حيث علمتم (...) وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللُّحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلمون وغافلون بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده" (...) قال أبو الهيثم بن التيهان: "يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها –يعني اليهود- فهل لست إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله (ص) ثم قال: "بل الدّم الدّم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم"[31].

المهم عندي من إيراد هذه الاستشهادات المطولة الاستدلال على أن الانسجام بين أبناء الشعب المكون للدولة القادمة بدأ يتشكل ليساهم في اتخاذها لشكل دولة "مدنية حديثة"، ولم يبق إلا الفصل في حال الوافدين القادمين من مكة مع رسول الله (ص)، وهنا لا بد من وقفة متأنية:

  • قد سَبَق وأَشَرْنَا إلى أنَّ الارتباط بالبَلَد عُنْصُرٌ مُهِمٌّ مِن العناصر المُكسبة لصفة المواطنة في أي دولة، والمهاجرون هم أبناء "مكة" فكيف تُعطاهم حقوق المواطنة الكاملة في "بلد" لا ينتسبون إليه؟
  • لقد أظهرت أحداث السيرة النبوية أن النبي j كان مستحضرا لهذه النقطة كامل الاستحضار، ولذلك فمباشرة بعد تحقق تأسيس الدولة الإسلامية، أسمى هؤلا الوافدين "مهاجرين" وهي كما يظهر تسمية تذكر أصحابها دائما بأنهم إنما هاجروا من موطن سيلازمهم الحنين إليه دائما، ولذلك بقيت قلوبهم تهفوا إلى فتح مكة حتى قدر الله ذلك لهم، كما صاحب هذه التسمية استحضار رسول اللهj منذ البدايات أن هذه الدولة الوليدة لم تكتمل حدودها بعد، وأنها آخذة في التوسع لتصل إلى موطن هؤلاء "المهاجرين" وهي "مكة" وأبعد من ذلك، الأمر الذي سيجعل الجماعة البشرية في مكة والمدينة امتدادا واحدا لدولة واحدة، ولهذا لا ينبغي أن يشعر المهاجرون بالقطيعة مع إخوانهم من أبناء دولتهم حين سيعودون إلى مكة، بل ينبغي أن يشعروا أنهم مواطنون في نفس الدولة. ولهذا عمد النبيj لتحقيق هذا المقصد إلى نهج مزدوج: أولا؛ تسمية أهل مكة "مهاجرين" وأهل المدينة "أنصارا": وكما لا يخفى فهذا الاسمان مرحليان، إذ أن المهاجر يَظَلّ يحِنُّ إلى وطنه وإن آثر الهجرة، و"النصرة" باقية إلى يوم الدين، وإن رجع المهاجر إلى أرضه، مما حدا بالمسلمين إلى التمسك باللقبين ولو بعد زوالهما واقعا من الحياة، بعد تمدد دولة الإسلام وعودة المواطنين كل إلى الجزء المختص به من هذا الوطن. ثانيا؛ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: وهي خطوة كان لا بد منها ليتحقق بعد ذلك الانسجام التام بين أبناء الدولة الوليدة في أفق تحقق انصهار كلي يؤدي إلى نشوء مصطلح مجمع هو مصطلح "الأمة" المتجلي في قوله تعالى: "وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون"[32].

إن تأسيس الأمة كان على منطق التوحد والوحدة بين أطياف الشعب المختلفة، كما صرح القرآن الكريم بالآلية التي نشأت بها هذه الأمة وهي آلية "التأليف بين قلوب الشعب/الجماعة البشرية" المكونة لهذه الأمة: "واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة إخوانا".[33]

"وهذا السياق في الأوس والخزرج فإنه كان بينهم حروب كثيرة في الجاهلية وعداوة شديدة وضغائن ودخول طال بسببها قتالهم بينهم، فلما جاء الله بالإسلام ودخل فيه من دخل منهم صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله متعاونين على البر والتقوى[34].

إن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار من جهة، ثم بين الأنصار أوسا وخزرجا من جهة أخرى كانت بداية ظهور الجماعة البشرية المنسجمة، التي بدأت منذ تاريخ الهجرة في صناعة تاريخ مشترك، وأعراف مشتركة، وثقافة مشتركة، على جغرافيا مشتركة، وبعد عودة المهاجرين إلى مكة وبقاء الأنصار في المدينة سيكون قد تحقق من التآلف والتماهي ما يصعب معه -حتى على المتحامل- فصل جزء من هذا الشعب عن الآخر أو جزء من هذه الأمة عن الجزء الآخر.

أ_ الإقليم: هو الامتداد الجغرافي الذي تقوم عليه الدولة ويضم الإقليم البري والبحري والجوي، والذي يعنينا من ركن الإقليم هنا هو وضوح حدوده واشتراك كل أفراد المجموعة البشرية في استغلاله عبر وضع مجموعة من القوانين بصورة معنية.

 كان من أول ما فعل النبي صلى الله عليه وسلَّم بَعد الهجرة، السعي إلى تحقيق الاستقلال الإقليمي للدولة المسلمة وذلك بالنص على حدودها صراحة في دستور مكتوب وهو ما سمى تاريخيا بوثيقة المدينة:"هذا كتاب محمد النبي "رسول الله" بين المؤمنين والمسلمين من قريش و"أهل يثرب" ومن معهم وتبعهم، فلحق بهم، وجاهد عنهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس".[35]

لقد نصت الوثيقة  _ صراحة _ على أنَّ المنطقة التي يشملها هذا الدستور هي المنطقة التي يشغلها "أهل يثرب"، فيثرب حاليا هي الإقليم الذي تشغله دولة النبوة، وقد نص الدستور على أنه يحفظ حقوق كل المكونات العرقية والدينية التي تستوطن يثرب، ودليل ذلك أنه حصر المتحدث عنهم في من يشغل هذه المنطقة الجغرافية دون غيرها ولذلك فقد عد عربَ المدينة جميعهم "بنو الحارث، بنو حشم، بنو ساعدة... والمهاجرين جميعهم، وكذلك عدَ قبائل اليهود الساكنة في المدينة جميعا وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، يهود بني النجار...ويهود بني الحارث... ويهود بني ساعدة...[36].

فعدد دستور المدينة ساكنيها من اليهود، وحصرهم في أهل المدينة مما يحيل إلى أن الإقليم الذي يغطيه هذا الدستور وتشغله دولة الإسلام الوليدة هو إقليم "يثرب" أو "المدينة المنورة".

ب_ السلطة السياسية: ومن مميزاتها أنها ذَاتٌ مَعْنَوِيةٌ: "تقوم على مجرد افتراض يسمح لها بالتحرك على المستوى القانوني بشكل مستقل عن الأفراد المكونين لها"[37].ومن شروط تحقق هذا الركن أن تتصف السلطة بالسيادة إذ أن زوال السيادة زوال للسلطة والدولة معا.

وخصائص السلطة في الدولة المستقلة: أن "تبنى على القانون فهي ليست قوة غاشمة. وأن تكون سلطة أصلية، فليست فرعا عن سلطة أخرى. وكذلك سلطة عليا، أي أنه لا توجد سلطة أعلى منها داخل الإقليم"[38].

 رأينا أن السلطة السياسية من أهم مميزاتها أنها سلطة  مؤسسة على قوة القانون وليست سلطة فعلية، فهي تتعالى على الأفراد لتستقر على أرضية المبادئ، وإذا كنا أقررنا –سلفا- "أن للمجتمع السياسي عناصر ثلاث (إقليم محدد، وسكان يقيمون على هذا الإقليم ويعبر عنهم بالمحكومين، وهيئة حاكمة) تملك إصدار الأوامر والنواهي بناء على حق السيادة أو السلطة أو الأمر والنهي ويطلق على هذه الأوامر والنواهي ما نسميه بالقاعدة القانونية (...) ومن هنا تتضح العلاقة الوثيقة بين المجتمع السياسي والقاعدة القانونية، وبعبارة أخرى بين الدولة والقانون"[39].

إذا فالسلطة السياسية سلطة قانون وليس سلطة تغول، ومن البديهي أن السلطة لتكون سلطة قانون لا بد لها من أن يكون مصدرها من الجماهير بمعنى أن يكون المحكوم منحازا طواعية لحاكمه مختارا له وليس مفروضا عليه، والسلطة السياسية في دولة المدينة تميزت بالميزة السالفة تميزا واضحا وقويا بحيث جمعت بين "ديمقراطية" اختيار "الحاكم" وبين سلطة القانون.

دمقراطية اختيار الحاكم: لقد أمن النبي (ص) شَعْبِيَّتَه لدى الناس قبل أن يقدم عليهم ولذلك فإن استلامه السلطة بعد ذلك كان استلاما سلسا لم يتم بانقلاب على الشرعية ولكنه كان باستفتاء جماهيري تَم على مراحل:

المرحلة الأولى:

اقتراح النخبة النبيَّ (ص) رئيسا للدولة، وذلك ما فعله جماعة نقباء الأنصار "فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله (ص) ودعوهم إلى الإسلام حتى غشى فيهم فلم تبق من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله"[40].

قال رسول الله (ص): "أخرِجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم "فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس"[41].

المرحلة الثانية: مرحلة الاستفتاء الشعبي: سارت النخبة من شعب المدينة إلى قومهم فعرضوا عليهم تأسيس الدولة بقيادة محمد (ص) وأخبروهم بأنهم بايعوا نيابة عنهم ولكن الأمر إليهم في نهاية المطاف.

وكان يوم الاستفتاء الشعبي هو يوم قدوم الرسول إلى المدينة فقد تحدثت كتب السيرة عن خروج الناس كل يوم، إلى ضواحي المدينة ينتظرون قدوم النبي (ص) إليهم حتى اليوم الذي بَلَغَ فيه فازدحموا عليه ازدحاما شديدا[42].

المرحلة الثالثة: صياغة الدستور "القاعدة القانونية ودخول كل المواطنين في المدينة المنورة تحت حكم السلطة السياسية القائمة على أساس القاعدة القانونية، وليس على أساس أهواء الرجال "وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد (ص)"[43].

 بل إن المبايعة الطوعية للحاكم الجديد بلغت مبلغ أنه حتى من لم يدخل في دين الدولة الجديدة له أن يدافع عن هذا الوطن تحت سيادة السلطة القائمة، ومن ذلك قصة مخيريق: .. وكان حبرا عالما –من علماء اليهود- (...) قال: يا معشر يهود والله إنكم لتعلمون أن نصر محمد عليكم لحق (...) ثم أخذ سلاحه (...) وعهد إلى من وراءه من قومه إن قتلت هذا اليوم فأموالي لمحمد (ص) يَصنع فيها ما رآه فلما اقتتل الناس قاتل حتى قتل فكان رسول الله  يقول: "مخيريق، خير يهود" وتولى رسول الله (ص) أمواله، فصدقات رسول الله بالمدينة منها"[44].

ومن هنا يتبين أن تأسيس السلطة السياسية في الدولة الإسلامية احترم شروط الديمقراطية بطابعها المتعارف عليه اليوم في أعلى صورة يمكن أن تتشكل عليها هذه الديمقراطية، من انتداب النخبة المبايعة الشعبية إلى الانخراط لكل طوائف المجتمع في صيغة الدولة القائمة، إلى إقامة النص الدستوري المؤطر للعلاقات بين مختلف مكونات المجتمع وطوائفه داخل الدولة الإسلامية الوليدة.

 

 

لائحة المصادر والمراجع حسب ورودها في الدراسة

  • الفيروز آباديّ مجد الدين محمد بن يعقوب، ضبط وتوثيق:محمد البقاعي يوسف الشيخ، "القاموس المحيط"، طبعة 1999م، لبنان، دار الفكر.
  • الإدارة العامة للمجمعات وإحياء التراث، "المعجم الوسيط"، الطبعة الرابعة، 2004م، القاهرة،مجمع اللغة العربية.
  • الرازي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، ضبط وتصحيح أحمد شمس الدين، "مختار الصحاح"، الطبعة الأولى،1994م، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية.
  • الأنصاري القرطبي، محمد بن أحمد، مراجعة وتعليق الحفناوي، محمد إبراهيم، "الجامع لأحكام القرءان"، طبعة 2007م، نشر دار الحديث القاهرة.
  • جار الله الزمخشري، أبي القاسم محمود بن عمر بن محمد، "الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"، الطبعة الرابعة، 2006م، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية.
  • العسقلان، ابن حجر،فتح الباري "شرح صحيح البخاري"، الطبعة الثانية، 2005 م، دار الكتب العلمية.
  • النيسابوري، مسلم بن الحجاج، ضبط وتوثيق العطار، صدقي محمد جميل،"صحيح مسلم بشرح النووي"، طبعة 2004م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
  • بن عاشور، الطاهر، "التحرير والتنوير"، دون رقم طبعة ولا تاريخ، تونس، دار سحنون للنشر والتوزيع.
  • ابن خلدون، عبد الرحمان، تصحيح وفهرسة: المندوه، أبو عبد الله السعيد، "مقدمة ابن خلدون"، الطبعة الثانية، 1996م، مؤسسة الكتب الثقافية.
  • عويس عبد الحليم، "التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون"، كتاب الأمة طبعة الأولى، 1996م، دولة قطر، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  • شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية،"زاد المعاد"، الطبعة الأولى، 2003م، دمشق-سوريا، دار الفكر.
  • العاقولا، محمد،"المواطنة والوطنية"، الطبعةالأولى، 2007م، نشر الموسوعة السياسية الصغيرة.
  • الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير"، الطبعة الأولى، 2002م،بيروت-لبنان، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع.
  • هويدي، فهمي، "مواطنون لا ذميون"، الطبعة الثالثة، 1992م، القاهرة-مصر العربية، دار الشروق.
  • الغزالي، محمد، "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، الطبعةالثانية عشر، القاهرة-مصر العربية، دار الشروق.
  • قطب،سيد، "السلام العالمي"، الطبعةالثانية عشر، 1993م،دار الشروقالقاهرة، مصر العربية.
  • شفيق، محمد، "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"، طبعة شتنبر 2007م، تونس، نشر المدرسة الوطنية للإدارة الجمهورية التونسية.
  • المعافري، عبد الملك بن هشام، تحقيق اللحام، سعيد محمد، "سيرة ابن هشام"، طبعة 2005م،دمشق-سوريا، دار الفكر.
  • ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل، "تفسير القرآن العظيم"، الطبعةالأولى، 2004م، بيروت،دار مكتبة الهلال،دار البحار.
  • المباركفوري،صفي الرحمان، "الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام"، الطبعة الأولى، 2015م، دار الغد الجديد.
  • علي، محمد، "السيرة النبوية"، الطبعة الثالثة، 2003م،كتاب الصحافة.
  • سابر،عبد الفتاح، "القانون الدستوريوالمؤسسات السياسية"، الطبعةالثانية، 2004م، مصر، دار الكتاب العربي.

 

 

 

 

[1]- الفيروز آباديّ مجد الدين محمد بن يعقوب، ضبط وتوثيق: محمد البقاعي يوسف الشيخ، "القاموس المحيط"، طبعة 1999م، لبنان، دار الفكر، ص 1039. والرازي محمد بن أبي بكر بن عبد القادر، ضبط وتصحيح أحمد شمس الدين، "مختار الصحاح"، الطبعة الأولى، 1994م، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية، ص 287. والإدارة العامة للمجمعات وإحياء التراث،"المعجم الوسيط"، الطبعة الرابعة، 2004م، القاهرة، مجمع اللغة العربية، ص 771

[2]- سورة النجم الآية 1-2

[3]-سورة الكهف الآية 109

[4]- الأنصاري القرطبي، محمد بن أحمد، مراجعة وتعليق الحفناوي، محمد إبراهيم، "الجامع لأحكام القرءان"، طبعة 2007م، القاهرة، نشر دار الحديث، ص 598

[5]-جار الله الزمخشري، أبي القاسم محمود بن عمر بن محمد، "الكشاف عن حقائق وغوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"، الطبعة الرابعة، 2006م، بيروت-لبنان، دار الكتب العلمية، ص 423

 

[6]- العسقلان، ابن حجر، فتح الباري "شرح صحيح البخاري"، الطبعة الثانية، 2005م، دار الكتب العلمية، الجزء 08 المجلد التاسع ص563، "كتاب تفسير القرآن""سورة المنافقين" باب قوله تعالى:"يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" حديث رقم 4907 ، النيسابوري، مسلم بن الحجاج، ضبط وتوثيق العطار، صدقي محمد جميل ، "صحيح مسلم بشرح النووي"، 2004م، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، "كتاب البر والصلة والآداب" باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما، حديث رقم2585  ج 16 المجلد 08 ص 118

[7]- الأمثلة الدارجة نحسبها من التعبيرات غير العالمة عن ثقافات سائدة في المجتمع، ولذلك يمكن أن تتخذ -في رأيي- أدوات لرصد اتجاهات قيم مجتمع ما في حقبة زمنية معينة

[8]- سورة آل عمران الآية 100

[9]- ابن عاشور، الطاهر، "التحرير والتنوير"، (دون رقم طبعة ولا تاريخ)، تونس، دار سحنون للنشر والتوزيع، ج 03 ص 28

[10]- ابن خلدون، عبد الرحمان، تصحيح وفهرسة: المندوه، أبو عبد الله السعيد، "مقدمة ابن خلدون"، الطبعة الثانية، 1996م، مؤسسة الكتب الثقافية، المجلد الأول ص 138

[11]- سورة آل عمران الآية 110

[12]- عويس عبد الحليم، "التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون"، كتاب الأمة،الطبعة الأولى، 1996م، دولة قطر، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ص122

[13]- "التأصيل الإسلامي لنظريات ابن خلدون"، ص 138

[14] - شمس الدين، محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية،"زاد المعاد"، الطبعة الأولى، 2003م، دمشق-سوريا، دار الفكر، ص 238

[15]- "زاد المعاد"، ص 239

[16]- العاقولا، محمد، "المواطنة والوطنية"، الطبعة الأولى، 2007م، نشر الموسوعة السياسية الصغيرة، ص 14

[17]-"المواطنة والوطنية"، ص 14

[18]-سورة  الأعراف الآية 45

[19]- سورة الأعراف الآية 73

[20]- سورة الشعراء الآية 124

[21]-الشوكاني، محمد بن علي بن محمد، "فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير"، الطبعة الأولى، 2002م، بيروت-لبنان، دار عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، ص 199

[22]-هويدي، فهمي، "مواطنون لاذميون"، الطبعة الثالثة، 1992م،القاهرة-مصر العربية، دار الشروق، ص 118

[23]-أنظر تفصيلا لطيفا لهذه القاعدة في: الغزالي، محمد، "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث"، الطبعة الثانية عشر، القاهرة، مصر العربية، دار الشروق، ، ص 25

[24]- قطب، سيد،"السلام العالمي"، الطبعة الثانية عشر، 1993م، القاهرة-مصر العربية، دار الشروق، ص 116

[25]- "مواطنون لا ذميون"، مرجع سابق، ص 136

[26]- "مواطنون لا ذميون"، مرجع سابق، ص 136-137

[27]-شفيق، محمد، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، طبعة شتنبر 2007م، تونس، نشر المدرسة الوطنية للإدارة الجمهورية التونسية، ص 17

[28]- "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"، ص 17

[29]- المعافري، عبد الملك بن هشام، تحقيق اللحام، سعيد محمد، "سيرة ابن هشام"، طبعة 2005م، دمشق سوريا، دار الفكر،ص 58

[30]- "سيرة ابن هشام"، ص 65

[31]- أنظر تفاصيل ذلك في "سيرة ابن هشام"، من الصفحة 58 إلى 67

[32]- سورة الأنبياء الآية 92

[33]- سورة آل عمران الآية 103

[34]- ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل، "تفسير القرآن العظيم"، الطبعة الأولى، 2004م، بيروت، دار مكتبة الهلال ، دار البحار، ج 1 ص 360

[35]- أنظر كتب السيرة ومنها المباركفوري، صفي الرحمان، "الرحيق المختوم بحث في السيرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام"، الطبعة الأولى، 2015م، دار الغد الجديد، ص189

[36]- علي، محمد، "السيرة النبوية"، الطبعة الثالثة، 2003م،كتاب الصحافة، ص 547-550

[37]- سابر،عبد الفتاح، "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"، الطبعة الثانية، 2004م، مصر، دار الكتاب العربي، ص 17

[38]- "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"، ص19

[39]- "القانون الدستوري والمؤسسات السياسية"، ص 5

[40]- "سيرة ابن هشام"، ص 65

[41]- أنظر تفاصيل ذلك في"سيرة ابن هشام"، ص 103

[42]- "السيرة النبوية"، ابن هشام، مرجع سابق، ص 67

[43]- "سيرة ابن هشام"، ص 113

[44]- "سيرة ابن هشام"، ص 123