المركز المغربي يصدر تقريره الثالث حول الحالة الدينية في المغرب

المركز المغربي يصدر تقريره الثالث حول الحالة الدينية في المغرب

عن هذا الاصدار :

''الحالة الدينية بالمغرب في ظل الربيع الديمقراطي''

عندما تم إطلاق مشروع تقرير الحالة الدينية من قبل المركز المغربيللدراسات والأبحاث المعاصرة قبل ثماني سنوات من الآن (2007)، لم يكنالأمر مجرد مغامرة بحثية برهانات علمية واستراتيجية، بل سعى منذ ذلك الوقت إلى رفع تحدي يتعلقبضرورة الارتقاءبمتابعة الشأن الديني في شكل معطيات وإحصائيات أو مقتطفات متناثرة في ثناياالمواد الإعلامية أو التقارير الإخبارية إلى صورة تركيبية كلية للحالة الدينية في شكل توجهات وتجليات ومؤشرات ومواقف وتفاعلات وتحديات لحالةدينامية ضمن نسق فكري ومعرفي وسلوكي متفاعل مع أنساق مجتمعية بتوجيه منفاعلين رسميينومدنيين.

لذا، فقد شكل تقرير الحالة الدينية وما يزال، رهانا بحثيا وتحديا معرفيايتجاوز إنتاج وتداول المعلومة حول تمثلات الفاعلين للدين فهما وعملاوانحيازا وحول رصد مؤشرات كسب الناس في تنزيل تعاليمه وقيمه وشعائره في مواقفهموسلوكهمالفردي والجماعي ويتطلع إلى أفق  معرفي يرمي إلى استكناه موقعومكانة الدين في الحياة العامة ودور مرجعيته فيتدبير الشأن العام، وفيتحرير طاقات وإرادة الإنسان وتحقيق سعادته وخدمة مصالحه العاجلة والآجلة.

إن تقرير الحالة الدينية بوصفه مشروع بحثي مندمج متخصص في رصد مؤشراتالتدين ومواقف مختلف الأطراف من قضاياه، وتفاعلات تجلياته مع تحولاتالمحيط العام، بواسطة آلية الرصد والمعاينة والتوثيق والبحث والتركيب، أصبحاليوم يشكل حدثا علميا ومعرفيا تتطلع إلى جديده أكثر من جهة، وينتظره أكثر من محفل علمي وذلك لما يوفره من توثيق وتركيب لصورة التدين في كليتها وفي سياقها ومآلات تطورها.

من حيث السياقيتميز هذا التقريرفي عدده الثالث الذي يغطي سنتي2011-2012، بتغطيتهلمرحلة مهمة من تاريخ المغرب المعاصر، والتي تزامنت معالربيعالديمقراطي العربي والحراك المغربي، حيث لعب الدين الدور الأبرزفي تفاعلاته وتحولاته، وشكلت المرجعية الدينية، المصدرالأساس في توجيه وتأطير وقائعه ومجرياته، إلى درجة يمكن معها أن نسم هذا التقرير بأول "تقرير للحالة الدينية في ظل الربيع العربي"، من حيث كثافة الوقائعالمتصلة بالحالة الدينية التي كان لها بالغ الأثر فيأسباب ونتائج الربيعالعربي وكذا في مسارات تجاربه المختلفة.

أما على مستوى المنهج، فقد ظل التقرير وفيا للمنهج الذي التزم به منذ أولعدد، والمتعلق بالجمع بين آليات منهج دراسة الحالة في رصد ومتابعة مآلات ومؤشراتوتحديات التدين، وإوالياتالمنهج النسقي في تتبع وقائع وتفاعلات البنى والمواقفوالقيم الدينية مع باقي الأنساق الأخرى. كما حافظ على نفس الهندسةوالتبويب وحرص على صيانة التنوع والموضوعية والحيادية دون السقوط فيالدعاية لما هو رسمي أو الإشهار لما هو غير رسمي أو مدني.

كما حرص التقرير كذلك على التقيد بوصف الحالة الدينية ومعاينة مؤشراتها ميدانيا ووثائقيا، والاقتصار في التحليل والفحص على ما يتيحه جهد التركيب والقراءة السياقيةللمعطيات في حالتها الكلية وليس في تناثرها الجزئي والتفصيلي.وهو اختيارواع ومقصود تمليه الاعتبارات المنهجية وتقتضيه الضرورات المعرفية والالتزامات المعيارية والقيم البحثية على أن نترك لمختلف الفاعلين والمهتمين وكذا لأصحاب القرار في المؤسسات الرسمية والهيئات المدنية والأهلية على السواء حق التصرفواستثمار معطيات التقرير كل بحسب قناعاته واحتياجاته وتبعا لإنحيازاته واختياراته.

أما من حيث المحتوى فقد تضمن التقرير كعادته خمسة محاور؛تطرق الأولإلى الواقع الديني بالمغرب من خلال توجهات التدين في الدراسات الدوليةوكذا في الأبحاث والتقارير الوطنية، ثم تجليات التدين من خلال تسعةمؤشرات هي المساجد ورمضان والحج والإفتاء والقرآن والتعليم الديني والوقفوالتمويلات البديلة ثم الإعلام الديني .أما المحور الثاني فقد تناول الفاعلين موزعين إلى فاعلين رسميين تتقدمهممؤسسة إمارة المؤمنينووزارة الأوقاف والمجالس العلمية والرابطة المحمديةللعلماء، وفاعلين غيررسميين أو مدنيين يتقدمهم العلماء والخطباءفي تجلياتهم الفردية وتعبيراتهم الجمعوية والمجتمعية ثم الحركاتالإسلامية التي اكتفينا باستعراض أبرز نماذجها وتياراتها لضرورات منهجيةمحضة، مستبعدين منها الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، ثم الزوايا والطرق الصوفية، أداء وإشعاعا وموقعا في السياسةالرسمية. أما المحور الثالث؛ فتناول تحديات التدين وحصرها في تسعة تحديات هي التحدياتالقيمية والأخلاقية والتحديات الأسرية والتحديات اللغوية والثقافيةوالتحديات التعليمية والتحديات الإعلامية والفنية والتحديات العقديةوالفكرية التنصيريةوالطائفيةوالإرهابية والصهيونية.

وختم التقرير بمحورين؛ خصص الرابعمنها للتفاعلات بين الديني والاقتصادي والدينيوالفكري والثقافي والديني والسياسي. ثم محور خامس، قدم فيه عناصر للحالة الدينيةعند اليهود المغاربة من حيث تفاعلهم مع الأعياد والمناسبات الدينية ومنحيث تعاطي بعض الرموز والشخصيات والمؤسسات اليهودية مع الشأن العام.

والخلاصة هي أن"تقرير الحالة الدينية في سياق الربيع الديمقراطي"يقدم اليوم مادةعلمية غنية، ويقترح قراءة تركيبيةللحالة الدينية في ديناميتها وتفاعلاتهاالحية، وهو ما يسهم في تكسير الاحتكارالخارجي أساسا حول إنتاج المعرفة العلمية والاجتماعية حول الحالة الدينيةالمغربية، لاسيما وهي تنتقل تدريجيا من حالة الانكفاء الداخلي والاحتماء وراء خطابالخصوصية والمحلية وشعارات "التدين المغربي" في مواجهة  التدين الوافدبروافده المشرقية المختلفة إلى حالة من "الإشعاع الدولي"آخذة في التبلور على شكل "مدرسة مغربية"و"نموذج مغربي في التدين" موسوم بالاعتدال والوسطية والنجاحإلى حد كبير في التحصين من الغلو وإبقاء الحقل الديني في منأى عن آفتي التوظيف والإقصاء. ولاسيما وهو يقدم بوصفه أحد عناصر تميزالنموذج المغربي على الصعيد المغاربي والعربي والإفريقي والأوربيسواء في تأطيرالحقل الديني أو في تحييد المساجد وأماكن العبادة أو في تكوين الأئمة والمرشدين وتأهيلهم للقيام بمهامهم فيتعزيز الفكر الوسطي والتصدي للغلو والتطرف بوصفهما آفة العصر وأبرزتحديات الأمن والسلم والتعايش الحضاري بين الشعوب. ومن هنا يكتسي هذا التقرير أهميته وفائدته، ليس في متابعة معطيات تكون فيالغالب متاحة ومعممة، ولكنفي تركيب صورة كلية وقراءة سياقيةللحالة الدينية بالمغرب في سياق الربيع الديمقراطي.