قراءة في كتاب: الوحي والقرآن والنبوة

قراءة في كتاب: الوحي والقرآن والنبوة

عن هذا الاصدار :

الوحي والقرآن والنبوة

ذ. فَضيل ناصري(*)

يعتبر كتاب «الوحي والقرآن والنبوة» [1] الواقعِ متنُه في مائة وسبع صفحات بحثا في السيرة النبوية، وفي بعض معاني القرآن، وعدته في مقاربة هذه المواضيع؛ أي السيرة ومعاني القرآن، القرآن نفسه من غير احتفال بما يُدعى في العلوم والدراسات الشرعية سنة أو حديثا، واعتماد المنهج الظاهراتي الفينومينولوجي المتوسل بتاريخ الأديان المقارَن، والمنفتح على مباحث معرفية من قبيل الأنثروبولوجيا والفلسفة.

وسنحاول عرض وقراءة أهم المواضيع التي طرحها الباحث هشام جعيط في مؤلفه سابق الذكر بتركيز واقتضاب شديدين. ويبدو من خلال تصفح فهرس محتويات الكتاب تبئير المؤلف اهتمامَه على موضوعة الوحي وموضوعة النبوة، ولم يحظ القرآن المتوسط الوحيَ والنبوة (في العنوان) خلال الكتاب كله سوى بمبحث صغير يمنحه –في اعتقادنا- المرتبة الثالثة في العنوان لا الثانية، اللهم إلا إذا وضعنا في اعتبارنا جملة التواشجات والتعالقات الحاصلة بين القرآن والوحي من جهة، وبينه وبين النبوة من جهة أخرى.

ولن نفرد لأي من مركبات العنوان مطلبا خاصا به، وإنما سنتحدث عن ثلاثتها في علاقتها ببعضها حسْب طرح الباحث ما وسعنا ذلك.

يعني الوحي في اللغة الإلهام والإيحاء الداخلي، ويَعضد هذا قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ﴾ [2] وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [3]، وقوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [4]. إنما لا يستغرق هذا المعنى اللغوي القرآن كله، فكثيرا ما يعني لفظ الوحي في المعجم القرآني: الأمر الآمر، وفي الأغلب الأعم دونما شعور أو وعي من الموحى إليه، أي أن التأثير يكون على الإرادة والغريزة واللاوعي؛ فيوحي الله إلى النحل وإلى السماوات بعد خلقها، وهو على حد تعبير هشام جعيط: العملية التي تم بها التبليغ إلى الرسول والتجربة الفردية التي عاشها.

ويميز الباحث بين الوحي الذي لا يندرج في الفضاء، والتنزيل الذي يرمز إلى الفضائي الزمني من الأعلى إلى التحت (ص.17).

ومن المسلمات والبدهيات لدى السواد الأعظم من المسلمين أن الوحي الذي هو القرآن وليس عملية الإيحاء برمتها تم بواسطة جبريل في غار حراء الذي كان ينزوي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في مشهد درامي يعنف فيه جبريل الرسول الذي أُرتج عليه ويأمره بالقراءة ثلاثاً يرد عليه فيها بقوله: ما أنا بقارئ، وتنهض هذه المسلمات على ما ترويه أغلب كتب السيرة في هذا الباب، فهي تروي:

  • قصة غار حراء بنوع من التهويل من أمره وأمر الواسطة بين الله والرسول، والتي هي جبريل، والذي تصفه كتب السيرة بالقوة والشدة واستعماله إياهما في تجليه الأول للرسول محمد عليه الصلاة والسلام.
  • تشكك محمد e في رسالته وخوفه من الجنون وغمه وحزنه مما أصابه.
  • قصة خديجة واختبارها لهُوِّية الماورائي أهو ملك أم شيطان.
  • أمية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

ويلحظ القارئ العادي لا الحصيف أن الباحث [هشام جعيط] ينتمي إلى المدرسة القرآنية، الشيء الذي يَحْزِر معه مراجعته للكثير مما ورد في الروايات الحديثية التي ليست بنظره(**)، ويظهر هذا من خلال كلامه في الصفحة الثانية والعشرين الذي يَقْصُرُ فيه الوحيَ على القرآن.

وجمة هي مراجعاته التي اتسمت بميسم الدحض والإبطال والتقويض للاقتناعات والمسلمات ودونكم هذه الأمثلة:

  • يذهب الباحث إلى أن المصدر الوحيد الموثوق به، والذي يُرجع إليه في مسألة الوحي هو القرآن، وبالتحديد سورتا التكوير والنجم، وتبين له من خلال عودته إلى القرآن، كما يدعي، أن الوحي الإلهي إلى جميع الأنبياء وضمنهم محمد e يجري بصفة داخلية ودون وعي كامل؛ أي بمثابة تأثير نفسي يفيض بعده الموحى إليه بما شاء، ويعضد هذا اعتباره القرآن نتيجة الوحي ومضمونه، وأنه باعتباره معاني وألفاظا من هذا العالم، ليس إلا نسخة من «الأركتيب» الأصلي الإلهي (ص.17، 75، 92، 107). ولدى الرسول دائما مسافة زمنية بين إتيان الوحي واستيعابه في الداخل، وبين تخريجه في شكل قرآن.
  • وهو بعد، أي الوحي، وحسْب القرآن دائما، يقع على كل شيء في العالم باعتباره الوسيلة التي يتحكم الله فيه، أو بتعبير آخر هو العلاقة القائمة بين الله والوجود كيفما كان (ص.55).

وفيما يتصل بالوحي إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم يرى الباحث هشام جعيط التالي:

  • جبريل: اسم مركب دخيل [جبر-إيل] أي قوة الله بالعبرية، ويتساوق هذا المعنى مع: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾، ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾ القرآنيتين، إلا أنه وبالرغم من هذا التوصيف لا يُستدل من القرآن –سورتي التكوير والنجم- إطلاقا على أن الموصوف بهما هو جبريل عليه السلام، وعلى أن هذا الماورائي، كما ينبُزه، استعمل القوة إزاء الرسول، بل وعلى النقيض مما ذهبت إليه كتب السيرة يُستدل منه على كونه رسولا كريما، وعلى أنه لم يحصل شيء من المواجهة العنيفة، بل كان اللقاء فالوحي المريح إلى محمد صلى الله عليه وسلم الذي هز عقله وقلبه إلى درجة الوله والانخطاف.

ونعيب على المؤلف بعض التناقض الذي يقع فيه بين الفينة والأخرى، والذي يترتب بنظرنا عن خطورة الموضوع وأهميته في التداول العربي الإسلامي، فبعد أن عرف وعرفنا معه أن الوحي تأثير داخلي ليس إلا، يعود ليقول في الصفحة الخامسة والتسعين: «نحن لا نعرف كيف يقع الوحي هل بصوت خارجي خافت مهموس يُسمع أم بصوت داخلي كالوسواس، أم بلا صوت البتة كجملة الأفكار والصور التي تكتسح حتى ضمير الإنسان العادي والمبدع على وجه الخصوص».

ويستتبع الحديث عن الوحي الحديث عن ظروفه في المخيال العربي الإسلامي، والذي يعتبره المؤلف محشوا بالتخاريف والترهات، فكلنا يعلم مركزية غار حراء بالنسبة للمسلمين، سيما وأنه شهد لقاء جبريل بالرسول عليه الصلاة والسلام. إنما يفقد هذا الغار مركزيته في طرح الباحث، ويغدو كباقي الغيران، لولا أن المصنفين تحدثوا عنه، وجعلوا حشوية مصنفاتهم يتحدثون عنه بالنبرة نفسها إلى يوم الناس هذا.

تعتبر قصة غار حراء، بنظر المؤلف، مفتراة ومصنوعة، وتقوم دعواه هاته على:

  • أن القرآن لا يشير البتة إلى غار حراء، وإنما الغار الذي ذكره هو غار ثور.
  • أنه لم يذكر جبريل إلا في الفترة المدنية.
  • أنه يذكر رؤيتين أو لقاءين للنبي محمد مع الملك لا علاقة لهما بأي غار.
  • أن عزلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كغيره من الحنفاء مشكوك فيها كثيرا.
  • أن زيارة جبريل لمحمد صلى الله عليه وسلم في صفة رجل لا يمكن قبولها؛ ولكم، معشر القراء، واسع النظر في حديث جبريل «بينما نحن جلوس…».
  • أن مفهوم "أمية النبي" يثير إشكالات كثيرة ويحتاج إلى كثير من المراجعة، ويطرح بخصوصه المؤلف سؤالا كالتالي: هل النبي لم يلب أمر جبريل لأنه لا يقرأ فعلا، أم أنه أمي، أم أنه رفض أمر القراءة من ماورائي مجهول وإن كان يعرف القراءة؟

ولا يستبعد المؤلف أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم جاهلا  للقراءة والكتابة بناء على يُتمه وفقره، إلا أنه يجزم ويقطع بأنه مصطلح "الأميّ" في التوظيف القرآني له حَمولة دينية وعرقية في الآن نفسه، وقد كان اليهود ينعتون غيرهم من الأمم بالأميين وليسوا بالضرورة جاهلين القراءة والكتابة. وعبارة "النبي الأمي" تعني إذن أنه النبي المبعوث من غير بني إسرائيل.

ويخلص المؤلف من هذا النقاش إلى أن حديث القرآن عن أمية الرسول وقومه خطاب موجه إلى يهود تلك الفترة أكثر مما هو موجه للمسيحيين والعرب، بالإضافة إلى أن القرآن لم يتحدث بشكل صريح عن أن محمداً لا يحسن القراءة والكتابة.

كما يذهب الباحث إلى أن قصة خديجة واختبارها لهُوية الماورائي، أهو ملك أم شيطان يعبر عن الأنثروبولوجيا العربية بخصوص الخير والشر وارتباط ذلك بالمرأة. وزيادة على ما ذكرنا عرض المؤلف لمسألة الإسراء والمعراج ليقول إن الرؤية/الرؤيا في سورة الإسراء تعني الرؤية بالحلم أو بالقلب، كما أنه من المستحيل أن يكون الله ذاته تجلى للنبي وأن النبي اتصل به مباشرة.

 

الهوامش ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* - باحث في الأديان وفي: الحِجاج في اللغة والخطاب.

[1]- الوحي والقرآن والنبوة، هشام جعيط، دار الطليعة، بيروت، [ط.1]، تشرين الأول/أكتوبر 1999م، وسنحيل بعد هذا على جميع الصفحات المتعلقة بالكتاب داخل المتن بين قوسين.

[2]- سورة الشعراء، الآيتان:193-194.

[3]- سورة يوسف، الآية:3.

[4]- سورة الإسراء، الآية:86.

** - وهذا لطيف وثاوٍ في كتابه مثلما ثوى في كلامه يوم ناقشناه في أكاديمية المملكة على هامش الندوة الدولية: حوار الحضارات هل هو ممكن؟.