قراءة في مضامين خطاب محمد السادس بأديس أبابا

قراءة في مضامين خطاب محمد السادس بأديس أبابا

عن هذا الاصدار :

 

يأتي خطاب الملك محمد السادس من أديس أبابا، مُحتضنة القمة الإفريقية 28، في سياق تاريخي، يتعلق بقرار عودة المغرب إلى المؤسسة الإفريقية، والذي جاء ثمرة تفكير عميق كما صرح بذلك العاهل المغربي، بعد مرور 33 سنة على مغادرة المغرب للاتحاد الافريقي. وهو خطاب يعبر بحق عن رغبة المملكة في دعم الوحدة الإفريقية، وعن رغبتها في تأسيس عهد جديد بين المغرب ودول الاتحاد الافريقي. وألقي الخطاب باللغة الفرنسية على غير عادة الملك محمد السادس في إلقاء خطاباته باللغة العربية سواء داخل المغرب أو خارجه. ولاختياره اللغة الفرنسية دلالة قوية طبعا، وتتمثل في كون معظم الدول الأفريقية هي دول فرانكفونية، لهذا آثر أن يخاطبهم بلغتهم، وفي الوقت نفسه أراد أن يوجه رسائل قوية للدول الأنجلوساكسونية التي تتزعمها جنوب إفريقيا.

استهل محمد السادس خطابه بالافتتاحية التي اعتدناها في معظم خطابات قادة الدول الإسلامية. وعبر عن فرحه وسعادته برجوعه إلى بيته، فإفريقيا بيته الجميل الذي لطالما اشتاق إليه بعد طول غياب. وعبر عن مدى اشتياقه لأحبته وعن سروره بوجوده بينهم. من هنا جاءت زيارة العاهل المغربي في إطار استكمال الإجراءات القانونية والمسطرية، التي ستفضي لاستعادة المملكة مكانها داخل الاتحاد. حيث أثنى على الدعم الكبير الذي حظيت به المملكة لاستعادة دورها الريادي في القارة.

يقول الملك محمد السادس: "وإن الدعم الصريح والقوي، الذي حظي به المغرب، لخير دليل على متانة الروابط التي تجمعنا. لقد كان الانسحاب من منظمة الوحدة الإفريقية ضروريا: فقد أتاح الفرصة للمغرب لإعادة تركيز عمله داخل القارة، ولإبراز مدى حاجة المغرب لإفريقيا، ومدى حاجة إفريقيا للمغرب."

رغم أن قرار الانسحاب شكل فرصة تاريخية للتفكير مليا والتركيز على كيفية العمل داخل القارة، مادام المغرب في حاجة إلى بيته "افريقيا" وبيته في حاجة إليه. لهذا كان من الضروري رجوع المغرب إلى أسرته. في وقت أصبحت فيه دول الاتحاد تتطلع إلى رجوع المملكة إلى حضن أسرتها، مادام المغرب يعد من الدول الإفريقية الأكثر تقدما.

ورغم غياب المغرب عن منظومة الاتحاد الإفريقي إلا أن الروابط بينه وبين الدول الأعضاء ظلت قوية ومتينة تبرزها حرارة الاستقبال التي حظي بها العاهل المغربي، كلما حل ضيفا على إحدى الدول الأعضاء.

وتحدث الملك محمد السادس أيضا عن إنجازات المملكة خلال السنوات الماضية في القارة الإفريقية والتي لعب من خلالها المغرب دور المساند الرسمي والشريك الحقيقي للقارة. وفصل في هذا المضمار بقوله:

-" لقد استطعنا تطوير علاقات ثنائية قوية وملموسة: فمنذ سنة 2000، أبرم المغرب مع البلدان الإفريقية، حوالي ألف اتفاقية همت مختلف مجالات التعاون.

وعلى سبيل المقارنة، هل تعلمون أنه بين سنتي 1956 و1999، تم التوقيع على 515 اتفاقية، في حين أنه منذ سنة 2000 إلى اليوم، وصل العدد إلى 949 اتفاقية، أي حوالي الضعف؟

وخلال هذه السنوات، ارتأيت شخصيا أن أعطي دفعة ملموسة لهذا التوجه، وذلك من خلال تكثيف الزيارات إلى مختلف جهات ومناطق القارة.

كما تم التوقيع أيضا، خلال كل واحدة من الزيارات الستة والأربعين، التي قمت بها إلى 25 بلدا إفريقيا، على العديد من الاتفاقيات في القطاع الخاص.

وقد أولينا عناية خاصة لمجال التكوين، الذي يوجد في صلب علاقات التعاون مع البلدان الإفريقية الشقيقة. وهكذا، تمكن العديد من المواطنين المنحدرين من البلدان الأفريقية، من متابعة تكوينهم العالي في المغرب، وذلك بفضل آلاف المنح التي تقدم لهم".

ولم يقف المغرب عند هذا الحد بل أبرم العديد من الاتفاقيات الاستراتيجية أهمها؛ مد أنبوب الغاز إفريقيا-الأطلسي مع جمهورية نيجيريا الفدرالية. هذا المشروع سيسهم في نقل الغاز من البلدان المنتجة نحو أوروبا. بل ستستفيد منه كافة دول إفريقيا الغربية. وسيساهم في هيكلة السوق الكهربائية والرفع من التنافسية الاقتصادية والرفع من وتيرة التقدم الاجتماعي. وسيعزز فرص الاستقرار والهدوء وإقامة علاقات على مستوى الثنائي أو تعدد الأطراف، مما سيساعد على خلق مناخ يحفز على التطور والنمو والتنمية.

كما تكلم العاهل المغربي عن المشاريع الكبرى، التي يسعى المغرب لتحقيقها، والتي تتعلق بالمجال الفلاحي، من أجل ضمان الأمن الغذائي وتنمية العالم القروي، وإقامة وحدات إنتاج الأسمدة بشراكة مع كل من أثيوبيا ونيجريا. مما سيعود حتما بالنفع على القارة  ككل. وفي هذا الإطار يقول متسائلا:

-"وكما نعلم جميعا، فلا الغاز ولا البترول بإمكانه تلبية الحاجيات الغذائية الأساسية. أليس الأمن الغذائي أكبر تحد تواجهه القارة الإفريقية ؟"

ولم يغفل الملك محمد السادس الحديث عن قمة 22 للمناخ التي مثلت جوابا ملموسا وغير مسبوق، لمواجهة التحديات المشتركة المترتبة عن التغيرات المناخية.  كما مثلت فرصة لقاء بين الدول الأعضاء وعقد اتفاقيات تعزز التعاون في كل المجالات وأهمها المناخ. والتي أسفرت عن خلق مبادرة "Triple A"  التي تهدف إلى:

-" توفير موارد مالية أكبر لتحقيق "ملاءمة الفلاحة الأفريقية الصغرى"، وستواكب أيضا هيكلة وتسريع المشاريع الفلاحية بالاعتماد على أربعة برامج، وهي: 

- التدبير العقلاني للتربة،

- والتحكم المستدام في المياه المستعملة لأغراض فلاحية،

- وإدارة المخاطر البيئية،

- والتمويل التضامني لحاملي المشاريع الصغرى".

وذكّر محمد السادس الأسرة الإفريقية بالدعم الذي حظيته من لدن المملكة في الحفاظ على أمن واستقرار القارة. فمنذ استقلاله،شارك المغرب، في ست عمليات أممية لاستتباب الأمن في إفريقيا، وذلك بنشر آلاف الجنود في عدة جبهات. قائلا:

-" ولا تزال القوات المغربية، إلى اليوم، منتشرة في أراضي جمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وفي السياق نفسه، قام المغرب بمبادرات في مجال الوساطة، ساهمت بشكل فعال، في دعم وإقرار السلم، خاصة في ليبيا ومنطقة نهر مانو".

   إن المغرب حريص على التعاون جنوب/ جنوب، ولم يبخل يوما ما بما لديه على أشقائه بالقارة، بل سعى دائما إلى خلق تعاون بناء، ولعب دور فعال وفاعل في المنطقة. كما أنه مثل قاطرة للتنمية المشتركة، وفتح بابه عبى مصراعيه لكل المهاجرين غير النظاميين القادمين من دول جنوب الصحراء. والتزم المغرب بمبادئ الإعلان السابق، حيث أطلق عمليات تسوية استفاد منها ما يزيد عن 25 ألف شخص. في مرحلة أولى،  والقيام بتسوية جديدة تم إطلاقها في غضون الأسابيع الماضية، في مرحلة ثانية،بغرض تمتيع هؤلاء الوافدين بكافة الحقوق، وتعبيرا من المملكة عن روح التضامن وتثبيت القيم الإنسانية، لا بغرض حصول المغرب على الريادة الإفريقية من خلال هذه المبادرات حسب ما يدعيه البعض. وفي هذا الشأنيقول العاهل المغربي نافيا هذا الإدعاء:

-"ولمن يدعي أن المغرب يبتغي الحصول على الريادة الإفريقية، عن طريق هذه المبادرات، أقول : إن المملكة المغربية تسعى أن تكون الريادة للقارة الإفريقية".

إن انضمام المغرب للاتحاد الإفريقي اليوم، يعد بحق انتصارا تاريخيا، ويبرز مدى تشبث المملكة بهويتها الإفريقية الضاربة في جذور الانتماء الإفريقي، ويؤكده تضامن المغرب مع كل دول الاتحاد، تأكيدا منه على تقوية وتمتين الروابط ورعاية المصالح الاستراتيجية بينه وبين دول القارة.فالمغرب ساهم في انبثاق هذه المؤسسة، ومن الطبيعي أن يتطلع إلى استرجاع مكانه فيها. كما أنه ساهم في انبثاق مؤسسة الاتحاد المغاربي التي لم يكتب لها البقاء وسرعان ما انطفأت شعلتها بسبب غياب تظافر الجهود في المحافظة على كيانها، في ظل غياب الإيمان بالمصير المشترك. ويعبر العاهل المغربي عن أسفه لضعف اندماج هذه المنطقة تحديدا في القارة، بلوفي العالم ككل.فيقول متحسرا:

-" ففي الوقت الذي تصل فيه المعاملات التجارية البينية إلى 10 في المائة، بين بلدان المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، و19 في المائة بين دول مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية، فإن تلك المبادلات تقل عن 3 في المائة بين البلدان المغاربية".

ليعود الملك محمد السادس ويتحدث عن المشاكل التي تعرفها القارة بسبب تبعات الاستعمار الذي نهب خيراتها، ويؤكد وقوفه الى جانب قارته واستعداده التام لتقاسم خبراته ونقلها إلى أشقائه الأفارقة، قصد بناء مستقبل يسمه الأمن والاستقرار، وتسوده روح التضامن والإخاء. يقول معبرا عن مدى سعادته بهذا الرجوع:

-"فالمغرب لا يدخل الاتحاد الإفريقي من الباب الضيق، وإنما من الباب الواسع. وإن الاستقبال الحار الذي خصنا به إخواننا الأفارقة اليوم، لدليل قاطع على ذلك.

وإننا ندعو، بكل حماس، الأمم الإفريقية إلى الانخراط في الدينامية التي أطلقتها بلادنا، وإعطاء دفعة جديدة لقارتنا برمتها".

    وختم محمد السادس خطابه بدعوة وجهها إلى الدول الأعضاء لمعالجة الخلل الكامن في الرؤية من خلال تحفيزهم على الاستفادة من إمكانات وثروات القارة سواء البشرية أو الثقافية. فإفريقيا يحكمها قادة يتصفون بالتحرر والسعي على استقرار الشعوب وخلق مناخ سياسي منفتح على كل الآراء، ويضمن الحريات. وقد أكد العاهل المغربي على أن تعبير "العالم الثالث" أضحى متجاوزا. ما دام الاعتبار لأي دولة من الدول لا يتم وفق موارده الطبيعية أو المكاسب المتحققة من وراء ذلك. ودول إفريقيا وإلى جانبها المغرب يتوفرون على وسائل وأدمغة عبقرية، ويملكون القدرة على العمل الجماعي الذي يضمن الرخاء والتقدم والتطور للشعوب الإفريقية.

        ونشير في الختام أن العاهل المغربي أبان عن ذكاء وحنكة سياسيين حينما لم يثر قضيته الأساسية؛ قضية الصحراء، تجنبا لأي انشقاق يمكن أن يحدث، وهو لم يصبح بعد عضوا داخل الاتحاد. في المقابل ركز على الانجازات والاستثمارات التي قام بها في القارة منذ اعتلائه الحكم. كما أنه لم يوجه أي لوم أو عتاب إلى كل من ساندوا ودعموا الكيان الوهمي "البوليساريو".

 الباحثة: فاتحة تمزارتي

 

 

 

 

المقالات المنشورة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة